الرسالة إلى العبرانيين

تعبدي

  


اليوم 01: من كتب رسالة العبرانيين؟ - العبرانيين 5: 13-14


مسألة تحديد هوية كاتب العبرانيين ليست سهلة كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من كتّاب العهد الجديد، فكاتب العبرانيين لا يُعرِّف أبداً عن نفسه. ومنذ عصر الآباء، أقرّ كل من أكليمندُس الإسكندري الذي عاش تقريباً بين العامَين 150-215م وأوريجانُوس الإسكندري الذي عاش في الفترة بين العامَين 185-254م بوجود آراء مختلفة في زمنهما حول مَنْ هو كاتب العبرانيين. في فترة باكرة، غالباً ما كان يُشار إلى الرسول بولس كالكاتب المحتمل، لكنَ الدارسين اقترحوا أيضاً برنابا، ولوقا، وأَبُلُّوس، وحتى أكليمندُس الروماني.


يرفض معظم المفسّرين اليوم نسبة الرسالة إلى بولس. وسنتطرّق إلى ثلاثة أسباب لهذا الموقف: أولاً، كما سبق وأشرنا، هذه الرسالة لا تذكر اسم كاتبها، علماً أن من عادة بولس أن يذكر اسمه في رسائله. في الواقع كما توضّح 2 تسالونيكي 2: 2، كان بولس قلقاً جداً من انتشار كتابات منحولة تحمل اسمه. لذلك، من المستبعد أن يكون قد أغفل التعريف عن نفسه في حال كان هو الكاتب.


لكن اختصاراً للوقت، سنشير بالأحرى إلى ميزتَين واضحتَين في حياة الكاتب.


في المقام الأول، كان كاتب العبرانيين يهودياً ذا ثقافة هيلِّينية - يونانية. يتفق معظم علماء الكتاب المقدس اليوم مع استنتاج أوريجانوس بأن الله وحده يعلم من هو كاتب الرسالة إلى العبرانيين. صحيح أن هويّة كاتب العبرانيين كانت موضوع جدال عبر السنين، لكن يجب ألا يمنعنا ذلك من استكشاف فكر الكاتب وشخصيته من خلال بعض المؤشرات في نص الرسالة.


يمكننا أن نستنتج من خلال نص الرسالة التأثيرات اليهودية والهيلينية التي شكّلت شخصية الكاتب ورسالته. أما الإرث اليهودي القوي فواضح من خلال معرفة الكاتب بالعهد القديم. في الواقع، اقتبس الكاتب من العهد القديم 31 مرة على الأقل في فصول رسالته 13.


كما يبدو أيضاً أنه كان للكاتب تنشئة هيلينية قوية. في الماضي، كان المفسّرون يشيرون إلى استخدام الكاتب للسبعينية، أي الترجمة اليونانية للعهد القديم، كدليل على كونه يهودياً هيلينيّاً. لكن في النصف الثاني من القرن الماضي، كشفت البحوث في مخطوطات البحر الميت أن الاقتباسات التي اعتبرت في البداية مأخوذة مباشرة من السبعينية، قد تكون مأخوذة عن نصوص يهودية غير تقليدية. لهذا السبب، لا يمكننا أن نجزم بأن كاتب العبرانيين استخدم السبعينية.


لكن على الرغم من هذا الاكتشاف، ما زال بإمكاننا أن نكون واثقين بأن كاتب العبرانيين كان هيلينيّاً. إن لغته اليونانية المصقولة تقدّم دليلاً قوياً على تنشئته الهيلينية. كما أن مفرداته وأسلوبه تدل على إتقانه للغة، وهو إتقان يفوق ما نجده في كتابات لوقا.


لم يكن كاتب العبرانيين يهودياً هيلِينيّاً فحسب، بل يمكننا أن نضيف إلى لمحة عن حياته، أنه كان مفكّراً متحمّساً. يقرّ المفسّرون على نحو واسع أن كاتب العبرانيين كان مفكراً مثقفاً. فالحجج اللاهوتية في العبرانيين مصقولة أكثر من الكثير من تلك التي نجدها في بقية العهد الجديد. في الواقع، أشار الكاتب نفسه إلى أولوية التأمل اللاهوتي العميق في مقاطع مثل العبرانيين 5: 13 و14 حيث أشار أنه بغرض التمييز بين الخير والشر، على أتباع المسيح أن ينضجوا في العقيدة.