أسفار موسى الخمسة

تعبدي

اليوم 1: المنهجيات النقديّةِ الحديثة (الافتراضات المُسبَقَة)


من المهمِ أن ندرك أنّ العديد من علماء الكتاب المقدّس المعاصرين، إن لم يكن معظمهم، قد أنكروا الوحي الإلهيّ لأسفارِ موسى الخمسة وسلطانِها. كما أنّهم أنكروا الرأيَ التقليدي اليهودي والمسيحي القائل بأنّ الأسفارَ الخمسة تعودُ إلى أيّامِ موسى، المشرّع العظيم في إسرائيل. وقد أيّد عددٌ كبيرٌ من المفسّرين، والمعلّمين، والرعاة، وحتّى العِلمانيّين وجهات النظر هذه، حتّى بات من شبهِ المستحيل على كلِ مَن يدرس الكتابَ المقدّس بجدّيّة أن يتجاهلَها. ولهذا السبب، من الضروريِّ أن يكونَ لدينا بعضُ الاطّلاع على كيفيّةِ تعاملِ علماءُ النقد مع هذا الجزء من الكتابِ المقدّس.


نُركّزُ على اثنَينِ من الافتراضاتِ المُسبقةِ الهامة التي نشأت إبّانَ عصرِ التنوير وكان لها تأثيرًا عميقًا على التفسيراتِ النقديّةِ لأسفارِ موسى الخمسة.


1) مذهب الطبيعيّين: 


يَنُصُّ مَذهبُ الطبيعيين على أنّه إن كانت الحقائقُ الروحيّةُ موجودةً، فهذا لا يَعني أن لها تأثيراً ملموساً على العالمِ المنظور. ولهذا السبب لا تجدُ هذه الحقائقُ مكاناً لها في البحثِ الأكاديمي. في منتصفِ القرنِ التاسعِ عشر، كان مذهبُ الطبيعيين هو الفكرُ المُسيطرُ على كلِّ حقلٍ أكاديمي في العالمِ الغربي، بما في ذلكَ أيضاً دراساتٌ في الإيمانِ المسيحي. وكان التأثيرُ الأكبرُ لمذهبِ الطبيعيين على الدراساتِ الكتابيّة، هو أن علماءً مُحترَمين رفضُوا الإيمانَ اليهوديَ والمسيحيَ الطويلَ الأمدِ بأن أسفارُ موسى الخمسة موحاً بها من الله. ولهذا السبب، كانت الأغلبيّةُ تتعاملُ مع أسفارِ موسى الخمسة كما تتعاملُ مع سائرِ الكتاباتِ الدينيّة التي تعود إلى الحضاراتِ القديمةِ عامّةً. ومن وجهةِ النظرِ هذه، تحتوي أسفارُ موسى الخمسة على كلِّ أنواعِ الأخطاءِ والتناقضاتِ، وحتّى على تحريفٍ مُتعمّدٍ للتاريخِ ولاهوتٍ زائفٍ، تماماً مثلَ كُلِّ الكتاباتِ البشريّةِ الأخرى. وكما أنّ الافتراضاتِ المسبقةِ، التي آلتْ إلى تَبنّي العلماءِ المعاصرين مذهب الطبيعيين، أعطتهم الحريةَ لرفضِ وحيِ وسلطانِ أسفارِ موسى الخمسة، فالمثيرُ للاهتمامِ أنّ هذه الافتراضات كانت أيضاً وراءَ بعضِ وجهاتِ النظرِ المُتعلّقةِ بالتطوّرِ التاريخي لإيمانِ إسرائيل.


2) التطوّر التاريخي: 


إنّ وجهاتِ النظرِ الحديثةِ المُبكرةِ حولَ دياناتِ العالمِ تختلفُ عن الطريقةِ التي يُصوِّرُ فيها الكتابُ المقدّسُ تطوّرَ إيمانِ شعبِ إسرائيل. فلطالما كان إيمانُ هذا الشعبِ، كما يَظهرُ في الأسفارِ الخمسة، إيماناً بالإلهِ الواحدِ. فمن آدم وحوّاء، إلى نوح، إلى الآباء، وصولاً إلى رؤساءِ أسباطِ إسرائيل، عَبَدَ المؤمنون الإلهَ الواحدَ الحقّ، خالقَ الكلِّ. وما نعرفُه من سفرِ التكوين، أنّه في هذه المراحلِ المُبكرة، انتقل هذا الإيمانُ الحقيقيُ بالإلهِ الواحدِ من جيلٍ إلى جيل من خلالِ التعاليمِ الشفويةِ والطقوس. ثمّ كما نرى في أسفارِ موسى الخمسة، حصلَ تحوّلٌ حاسمٌ في أيّامِ موسى. إذ في هذه المرحلة، بدأت مبادئُ إيمانِ شعبِ إسرائيل تُدوَّنُ كقوانين. هيّأ موسى شعبَ إسرائيل ليُصبحوا أمّةً، وذلك أوّلاً من خلالِ كتابةِ شريعةِ الله في كتابِ العهدِ والوصايا العشر، ومن خلال كتابتهِ لبقيةِ أجزاءِ الأسفار الخمسة. لذا، كما يُخبِرنا الكتابُ المقدّس، كانت ديانةُ شعبِ إسرائيل مرتبطةً بالكتاباتِ المقدّسةِ منذُ أيّامِ موسى، قبل أن يكونَ لإسرائيلَ ملكاً أو هيكلاً بزمنٍ طويل. رَغمَ أن الكتابَ المقدّس واضحٌ جدّاً من جهةِ الطريقة التي تطوّرت بها ديانةُ شعبِ إسرائيل، إلّا أنّ النقدَ الحديث اعتَبرَ هذا الشكلَ من التطوّرِ الزمني للديانة أمراً مستحيلاً، إذ أنّه لا يتّفقُ مع فرضيّاتِ التاريخِ الطبيعي. فقامَ النقّادُ المعاصرون بتفكيكِ صورةِ الإيمانِ الإسرائيلي كما تظهرُ في الكتابِ المقدس، وأعادوا تركيبها لتنسجمَ مع الأفكارِ المعاصرةِ حول نمطِ تطوّرِ كلّ الدياناتِ البدائيّة. انطلاقاً من وجهةِ النظرِ هذه، يكون أجدادُ بني إسرائيل في مرحلةِ ما قبلَ التاريخ قد اعتنقوا مذهبَ الروحانيّة التي كانت منتشرةً بين القبائل. ثمّ انتقلَ آباءُ إسرائيلَ إلى الإيمانِ بآلهةٍ متعدّدةٍ مع انصهارِ القبائلِ بَعضَها ببعضٍ لترتقي إلى نظامٍ قَبَلِيٍّ أرفعَ يترأّسُه زعماء. ومن هذا المنطلق، إن كان هناك موسى حقاً وقادَ شعب إسرائيلَ من مصر، فالشعبُ الذي اقتادَه كانوا أكثرَ بقليلٍ من اتحادِ قبائلٍ تَميّزَ بتعظيمِ إلهٍ فوقَ سائرِ الآلهة. وعلى عكسِ ما يعلّمه الكتابُ المقدّس، اعتقدَ المفسّرونَ النقّاد، أنّه في هذه المرحلة من التطوّرِ الاجتماعي، كان متعذراً على أيّ شخصٍ أن يدوّنَ معاييرَ الإيمانِ الإسرائيلي. فمعاييرٌ مكتوبةٌ كهذه ما كانت لتَظهرَ إلّا في فترةِ الملكيّةِ المُبكرةِ التي عرفتَها إسرائيل، عندما سَعى ملوكُ إسرائيلَ وكهنتُها إلى تنظيمِ إيمانِ شعبِ إسرائيل. من هنا، وبناءً على تحليلاتِ علماءِ النقد، مع نشوءِ النظامِ الملكي، بدأت ديانةُ إسرائيلَ بالارتقاءِ لتصبحَ ديانةَ الكتاب.