قصص سليمان وإلياس واليسع (1 ملوك) 8
8
نقل صندوق الميثاق
1ثمّ طلب سليمان (عليه السّلام) من شيوخ بني يعقوب وجميع كبار العشائر وزعمائها أن يجتمعوا في القدس، لِـيَنقلوا صندوق الميثاق من حيّ مدينة داود إلى بيت الله فوق سفح الجبل.#8.1 كان حيّ مدينة داود على أطراف القدس، بينما كان موقع بيت الله في قمّة الجبل الذي بنيت عليه مدينة القدس، فتمّ نقل صندوق الميثاق من أسفل الجبل إلى الأعلى. 2واجتمع هؤلاء جميعا في عيد الخيام، وتحديدا في بداية الخريف#8.2 يقابل شهر أيثانيم في تقويمهم. . 3وعندما وصل الشيوخ، نقل الأحبار صندوق الميثاق 4وخيمة بيت الله بما فيها من أوان مقدّسة. 5ووقف سليمان (عليه السّلام) مع كلّ الّذين احتشدوا من بني يعقوب أمام صندوق الميثاق وذبحوا منَ الغنم والبقر ما لا يُحصى ولا يُعَدّ. 6ثمّ أدخل الأحبار صندوق الميثاق في المحراب الأقدس، ووضعوا فوقه شكلين لاثنين من حملة العرش، 7وكانت أَجنحتهما تظلّلانه مع اثنين من العصيّ الّتي يُحمل بها. 8وكانت هذه العصيّ طويلة، فأطرافها تُرى من خارج المِحراب، ولكنّها لا تُرى خارج البيت المقدّس. وهي موجودة إلى يومنا هذا. 9وهذا الصندوق يحتوي بداخله فقط على لوحي الحجر اللذين وضعهما فيه النبي موسى في جبل سيناء، عندما أقام الله ميثاقه مع بني يعقوب بعد خروجهم من مصر.
10وما إن خرج الأحبار من المحراب المقدّس حتّى ملأ الغمام أرجاء بيت الله، 11فلم يستطع الأحبار إتمام أداء شعائرهم، لأنّ نور جلال الله قد ملأ البيت. 12ثمّ توجّه النبي سليمان إلى الله بهذا الدعاء:
"اللهم، لقد وعدت أنّك تتجلّي في ظلل من الغمام
13ولإكرامك يا ربّ بنيتُ هذا البيت العظيم،
مكانا تحلّ فيه سكينتك يا الله إلى أبد الآبدين!
النبي سليمان يخاطب قومه
14ثمّ التفت سليمان (عليه السّلام) إلى جماعة بني يعقوب الواقفين أمامه، وطلب لهم بركة من الله. 15وقال: "تبارك الله الّذي يعبده بنو يعقوب، لأنّه أتمّ وعده لأبـي داود، عندما قال: 16"منذ أخرجتُ قوم ميثاقي من مصر لم أرتض مدينةً من كلّ مدنهم ليقام فيها بيت يُعظّم فيه اسمي بين العالمين، لكنّي اخترتُ داود ليكون حَكَما عادلاعليهم أجمعين".#8.16 يؤكد الله تعالى أنه لم يختر مكانا معينا ولكنه اختار شخصا معينا لإقامة هذا المكان المقدس.
17ثمّ أضاف النبي سليمان: "وأخذ في لبّ أبـي داود أن يقيم هذا البيت ليعظّم فيه شأن الله. 18فقد أوحى إليه تعالى: "لقد أحسنت فيما تريد، 19ولكنّك لن تَبني هذا البيت المجيد، وإنّما يبنيه ابن من صلبك مولود". 20وتحقّق وعد الله وخلفتُ مكان أبـي داود وجلستُ على عرش بني يعقوب، وأقمت هذا البيت ليعظّم فيه اسم الله الّذي يعبده بنو يعقوب، 21وأعددتُ مكانًا للصندوق الّذي وضعت بداخله لوحي الميثاق الّذي أقامه الله مع آبائنا الأوّلين حينَ أخرجهم من مصر".
دعاء النبي سليمان
22ووقف النبي سليمان (عليه السّلام) أمام المذبح النحاسيّ في الحرم بـحضور جماعة بني يعقوب وبسط يدَيه في دعاء نحوَ السّماء 23قائلاً: "اللهمّ يا مَن يعبده بنو يعقوب، لا إله غيرك في السماوات والأرضين، يا حافظ الميثاق، أيّها الوفيّ لأولئك الّذين يسلكونَ بصدق الصراط المستقيم. 24يا الله، لقد وفيتَ بوعدك لأبي داود، وحقّقت كلامك الأمين. 25والآن يا الله، يا من يعبدك بنو يعقوب، رجائي أن تحقّق الوعد الآخر الّذي وعدته لأبي داود عندما أوحيت إليه: 'إذا حرص بنوك على اتّباعك فساروا، كما سرت أنت، في السبيل القويم، لا ينقطـع من نسلك رجلٌ يعتلي عرش مملكة بني يعقوب المقيم'. 26اللهمّ حقّق هذا الوعد العظيم".
27وأضاف النبي سليمان قائلا: "ولكن أيُعقل أن يسكن الله على الثرى؟ يا مَن وسع عرشك السّماوات، فكيف يتّسع لك هذا المبنى؟#8.27 كان من البديهي للنبي سليمان أن يطرح هذا السؤال، فكيف يظنّ الإنسان أن الله يحتاج لبناء بيت ليحلّ فيه وهو ملك السماوات والأرض؟ انظر سورة البقرة: 255. ونجد في الإنجيل أنّ خيمة بيت الله الذي أقامه النبي موسى، وبيت الله الذي أقامه النبي سليمان من حجر في ما بعد، هما مجرّد صورة عن بيت الله الروحي الحقيقي الذي قصد تعالى أن يقيمه بين الناس بمجئ السيد المسيح. أنظر رسالة أفاسوس 2: 21 ورسالة صخر الأولى 2: 5. 28اللهمّ، اصغِ لدعائي وتضرّعي، أنا عبدك، وأنت السميع المجيب. 29هذا هو المقام الّذي اخترته لتعظيم اسمك بين العباد، فاحفظه ليل نهار وكلّما توجّهتُ إليه للصلاة، 30واستجب إلى تضرّعاتي وتضرعات قوم ميثاقك كلّما ولّوا وجوههم إلى هذا المقام الشريف،#8.30 انظر سورة البقرة: 148. ورأى الثعلبي والطبري من هذه الآية أن لكل ملّة قبلتها الخاصّة. فأنت السميع من عَليائك في عِليّين وأنت الغفور لذنوب العابدين.
31فإن أخطأ أحد في حقّ آخر، وجاءوا به أمام مذبح الأضاحي في حرم بيتك المقدّس، وأقسم ببراءته اليمين، 32فأنت من السّماء العليم السميع وأنت الحَكَم العدل بين عبادك المؤمنين، فعاقب اللهمّ المذنب حسب ذنبه، وفك قيد البريء المستقيم.
33"وإذا وقع بنو يعقوب أمام أعدائهم بسبب خطيئتهم بحقّك منهزمين، ثمّ تابوا إليك توبةً نصوحًا وطلبوا غفرانك في هذا البيت المقيم، 34فأنت السميع من عليائك وأنت لكلّ خطاياهم الغفور الرحيم، وردّهم إلى الأرض الّتي أعطيتَها لآبائهم الأوّلين.
35وإن أغلقت أبواب السّماء وحبست عنهم المطر لأنّهم أخطأوا بحقّك جاحدين، وإذا تابوا إليك بعد الذل الذي أنزلته عليهم وولّوا وجوههم إلى هذا المقام واعترفوا بكلّ الآثام الّتي ارتكبوها تائبين، 36فيا ربّ اسمع من عُلاك واغفِر آثام بني يعقوب إنّهم قوم عابدون، واهدِهِمِ الصراط المستقيم، وأنزل غيثك على هذه الأرض الّتي ائتمنت عليها آباءهم الأوّلين.
37وإذا أصيبت الأرض بمجاعة أو وباء أو جَفاف أو يَرَقان أو جَراد أو جندب، أو حاصر الأعداء بني يعقوب في مدنهم، ومهما كان نوع المصائب التي قد تحلّ عليهم، 38لكن إذا تضرع إليك أحدهم من الصميم، ورفع يديه إليكَ ووجّه دعاءه من هذا البيت المقيم، 39فاستجب له يا الله من عليائك، واغْفِرْ له واجْزِ كلّ واحد حسب أعماله يا أيّها الغفور، لأنّك أنت وحدك عليم بذات الصدور. 40فيتّقونك ما داموا على هذه الأرض الّتي ائتمنت عليها آباءنا الأوّلين. 41-42ويقبل أفراد من أمم أخرى من أقاصي الأرض فيعبدوك ويقيمون الصلاة في هذا البيت مخلصين، عندما تبلغهم عظمة شأنك وما أقمته بقوّتك أيّها الجليل العظيم. 43فاستجب يا الله من عليائك، وهب لهم كلّ ما يطلبونه منك، فتعرف جميع أمم الأرض مدى عظمة شأنك كما يعلم ذلك عبادك المخلصون، إنّهم يعلمون علم اليقين أنّ هذا البيت يُرفع فيه ذكرك العظيم.
44"وإذا حارب قوم ميثاقك أعدائهم وَفقَ أمرك تعالى، وولّوا وجوههم شطر هذه المدينة الّتي اخترتَها والبيت الّذي أقمتُه لإكرام اسمك الكريم، 45فاستجب يا الله لصلاتهم وتضرّعاتهم وانصُرْهم على أعدائهم أجمعين.
46"يا ربّ، هل يوجد إنسان بلا خطيئة؟ وإذا أخطأ قوم ميثاقك في حقّك، وغضبتَ عليهم وجعلتَ أعداءهم عليهم ينتصرون، ويأخذونهم أسرى إلى بلاد أخرى في أقاصي الأقاليم، 47ثمّ عادوا إلى صوابهم في الأرض الّتي كانوا فيها مأسورين، فناجوك تائبين: "اللهمّ لقد أخطأنا وفي الضلال سلكنا وما أكبر ذنبنا،" 48وتابوا إليك توبةً نصوحًا حين ولّوا وجوههم إلى أرضهم الّتي ائتمنت عليها آباءهم الأوّلين، وهذه المدينة المختارة وهذا البيت الّذي أقمتُه ليعظّم فيه اسمك العظيم، 49فاستجب يا الله لصلاتهم وتضرّعاتهم من عليائك يا أرحم الراحمين، وانصُرْهم، 50واغفِرْ لهم سيئاتهم مهما تفاقمت، واجعل الرحمة في قلوب آسريهم المنتصرين. 51فهُم قوم ميثاقك وخاصّتك الّذينَ أخرجتَهم من مصر محرّرين، من أتون العذاب الأليم. 52اللهمّ إنّك سميع بصير لتضرّعات عبدك، ولتضرّعات قوم ميثاقك، واستجب لهم كلّما استغاثوا إنّك أنت السميع المجيب. 53لقد أنعمتَ اللهمّ يا مولاي بنعمتك عليهم وفضّلتهم على العالمين، كما أوحيت لنا على لسان عبدك موسى، حينَ أخرجتَ من مصر آباءنا الأوّلين".
النبي سليمان يطلب بركة الله على قومه
54ولمّا انتهى النبي سليمان (عليه السّلام) من تضرعاته أمام المذبح في الحرم حيث كان راكعًا ويداه مبسوطتان إلى السماء، 55وقف وطلب بركة من ربّه على الحشود بِصوت مسموع، فقال: 56"تبارك الله الّذي أنعم بالفرج على بني يعقوب وجعلهم سالمين، كما جاء على لسان عبده موسى الأمين، إنّه الوفيّ بجميع وعوده العظيمة. 57ليكن الله ربّنا معنا خير حافظ كما حفظ آباءنا الأوّلين، ولا يخذُلُنا ولا يتخلّى عنا، 58وليجذب قلوبنا إليه فنتبع الصراط المستقيم ونعمل بوصاياه وفرائضه وأحكامه الّتي بها أمر آباءنا الأوّلين. 59ولتظلّ تضرّعاتي أمامه في كلّ حين، حتّى ينصرني أنا عبده وينصر قوم ميثاقه بني يعقوب في كلّ الأزمان والأحايين، 60لكي تعلم شعوب الأرض برمّتها علم اليقين أنّ الله هو ربّ العالمين، ولا إله إلاّ هو الحيّ القيوم. 61أمّا أنتم يا قومي، فكونوا لله مولاكم دائما مخلصين، وأطيعوا فرائضه ووصاياه، كما اليوم تفعلونَ".
تدشين بيت الله والحرم المقدّس
62ثمّ قدّم النبي سليمان (عليه السّلام) وجميع بني يعقوب أضاح لله، 63ودشّنوا البيت الّذي أقاموه له تعالى، وقدّموا من الأضاحي اثنين وعشرين ألفًا من البقر ومئةً وعشرين ألفًا من الغنم وطلبوا بركة من الله في هذا المكان المقدّس. 64وفي ذلك اليوم قدّم سليمان (عليه السّلام) كلّ الأضاحي والقرابين وأمر أن تُحرق كاملة في ساحة الحرم الشريف، لأنّ مذبح النّحاس أمام بيت الله لم يكن يتّسع لها. 65وصادف نهاية تدشين بيت الله غرّة عيد الخيام، فاحتفل سليمان (عليه السّلام) وجميع الحاضرين بالعيد في الحرم. وتوافدت حشود من لَبْوَة في إقليم حماةَ أقصى الشمال حتّى وادي العَريش في أقصى الجنوب. واستمرّت الاحتفالات أربعة عشر يومًا، منها سبعة أيام لتدشين بيت الله والأخرى للاحتفال بعيد الخيام. 66وعند انقضاء العيد، صرفهم سليمان (عليه السّلام)، وتركوه في أمان الله وعادوا إلى بيوتهم وقد انشرحت صدورهم، لأنّ الله غمر بالخير النبي داود (عليه السّلام) وقومه بني يعقوب.
المحددات الحالية:
قصص سليمان وإلياس واليسع (1 ملوك) 8: TMA
تمييز النص
نسخ
قارن
شارك
هل تريد حفظ أبرز أعمالك على جميع أجهزتك؟ قم بالتسجيل أو تسجيل الدخول
© 2021, Al Kalima