دانيال 1:2-49 - قارن جميع الترجمات | YouVersion

دانيال 1:2-49GNA2025(2025 الترجمة العربية المشتركة)

وفي السَّنَةِ الثَّانيَةِ مِنْ عَهدِ نبوخذنَصَّرَ المَلِكِ، حَلُمَ نَبوخذنَصَّرُ أحلامًا أزعَجَتْهُ ومنَعَت عَنهُ النَّومَ. فأمرَ أنْ يُدعَى السَّحَرَةُ والمَجوسُ والعَرَّافونَ والمُنَجِّمُونَ ليُفَسِّروا لَه أحلامَهُ، فجاؤوا ووقَفوا أمامَه. فقالَ لهُم: ”حَلُمْتُ حُلُمًا فانْزَعَجْتُ، وأُريدُ أنْ أعرفَ ما هوَ“. فأجابَه المُنَجِّمُونَ بالآراميَّةِ: ”أيُّها المَلِكُ عِشْتَ إلى الأبدِ. أخبِرْنا بالحُلُمِ فنُبَيِّنَ تفسيرَهُ“. فقالَ لهُمُ المَلِكُ: ”قُلتُ ولا مرَدَّ لِقولي: إنْ لم تُعلِمونيَ الحُلُمَ وتفسيرَه أُقَطِّعُكُم قِطَعًا وأجعَلُ بُيوتَكُم مَزابِلَ، وإنْ أعلَمْتُموني الحُلُمَ وبَيَّنتُم تفسيرَهُ تَنالونَ منِّي هدايا وجَوائِزَ وإكرامًا كثيرًا. فأعلِموني الحُلُمَ وبَيِّنوا لي تفسيرَهُ“. فأجابُوهُ ثانيَةً: ”أخبِرْنا أيُّها المَلِكُ بالحُلُمِ فنُبَيِّنَ تفسيرَهُ“. فقالَ لهُمُ المَلِكُ: ”أعلَمُ عِلْمَ اليَقينِ أنَّكُم تُحاوِلونَ كَسْبَ الوقتِ عِندَما رأيتُم أنْ لا مرَدَّ لِقولي. إنْ كُنتُم لا تُعلِموني الحُلُمَ، فعِقابُكُم واحدٌ، لأنَّكُمُ اتَّفَقْتُم معًا على كلامٍ كاذِبٍ فاسِدٍ تتكلَّمونَ بهِ أمامي، لَعلَّ الأحوالَ تتَغَيَّرُ معَ الوقتِ. لذلِكَ أخبِروني بِالحُلُمِ، فأعلَمَ أنَّكُم قادِرونَ أنْ تُبَيِّنوا لي تفسيرَهُ“. فقالَ المُنَجِّمونَ أمامَ المَلِكِ: ”ما مِنْ إنسانٍ في الأرضِ يَقدِرُ أنْ يُبَيِّنَ ما يأمُرُنا بهِ المَلِكُ، وما مِنْ مَلِكٍ عظيمِ السُّلطانِ سأَلَ ساحِرًا أو مَجوسيًّا أو مُنَجِّمًا عَنْ أمرٍ مِثلِ هذا. والأمرُ الّذي سأَلَ عَنهُ المَلِكُ عويصٌ، ولا أحدَ يُبَيِّنُه للمَلِكِ غيرُ الآلهةِ الّذينَ لا يسكُنونَ معَ البشَرِ“. عِندَ ذلِكَ غَضِبَ المَلِكُ واَغْتاظَ جدًّا، وأمرَ بِإِبادَةِ جميعِ حُكَماءِ بابِلَ. فصدَرَ الحُكْمُ بقَتلِهِم، ومِنهُم دانيالُ ورفاقُهُ. فراجَعَ دانيالُ، باستِعطافٍ وتأديبٍ، أريُوخَ قائِدَ حرَسِ المَلِكِ، وهوَ الّذي خرَجَ لِيَقتُلَ حُكَماءَ بابِلَ بِسُلطَةٍ مِنَ المَلِكِ، وقالَ لَه: ”لماذا هذا الحُكْمُ الشَّديدُ مِنَ المَلِكِ؟“ فأعلَمَ أريُوخُ دانيالَ بالأمرِ. فدخَلَ دانيالُ على المَلِكِ وطلَبَ إليهِ أنْ يُعطيَهُ وقتًا لِيُبَيِّنَ لَه تفسيرَ الحُلُمِ. وذهَبَ دانيالُ إلى بَيتِه وأعلَمَ حَنَنيا وميشائيلَ وعَزَريا رفاقَه بِالأمرِ، لِيَطلُبوا مِنْ إلهِ السَّماءِ أنْ يرحَمَهُم جميعًا ويكشِفَ لهُم سِرَّ هذا الحُلُمِ لِئلَّا يُبادوا معَ سائِرِ حُكُماءِ بابِلَ. وكانَ أنِ اَنْكَشفَ السِّرُّ لِدانيالَ في رُؤيا ليلٍ، فبارَكَ إلهَ السَّماءِ. وقالَ: ”لِيَكُنِ إِسْمُ اللهِ مُبارَكًا مِنَ الأزَلِ وإلى الأبدِ. فلَهُ الحكمَةُ والجَبَروتُ، وهوَ الّذي يُغَيِّرُ الأوقاتَ والأزمِنَةَ ويَعزِلُ المُلوكَ ويُقيمُهُم ويهَبُ الحكمَةَ للحُكَماءِ والمعرِفَةَ للفُهَماءِ. هوَ الّذي يكشِفُ الأعماقَ والخفايا، ويَعلَمُ ما في الظُّلمَةِ، وعِندَهُ يُضيءُ النُّورُ. إِيَّاكَ أحمَدُ يا إِلهَ آبائي. وإِيَّاكَ أُسَبِّحُ، لأنَّكَ وهَبْتَ ليَ الحكمَةَ والقُدْرَةَ، وبُحْتَ ليَ الآنَ بِما طلَبْناهُ مِنكَ، فَأعلَمْتَنا بِما نقولُ للمَلِكِ. ثُمَّ دخَلَ دانيالُ على أريوخَ الّذي توَلَّى بِأمرِ المَلِكِ إبادَةَ حُكَماءِ بابِلَ وقالَ لَه: ”لا تُبِدْ حُكَماءَ بابِلَ. أدخِلْني إلى أمامِ المَلِكِ فأُبَيِّنَ لَه تفسيرَ الحُلُمِ“. فأدخَلَهُ أريوخُ مُسرِعًا إلى أمامِ المَلِكِ وقالَ لَه: ”وجَدْتُ رَجُلًا مِنْ بَني يَهوذا المَسبيِّينَ يُعْلِمُكَ بِتفسيرِ الحُلُمِ“. فقالَ المَلِكُ لِدانيالَ الّذي اسمُهُ بَلطَشاصَّرُ: ”أتَقدِرُ أنتَ أنْ تُعلِمَني بِالحُلُمِ الّذي رأيتُهُ وتُبَيِّنَ لي تفسيرَهُ؟“ فأجابَهُ دانيالُ: ”السِّرُّ الّذي تسأَلُ عَنهُ، أيُّها المَلِكُ، لا يَقدِرُ الحُكَماءُ ولا المَجوسُ ولا السَّحَرَةُ ولا المُنَجِّمونَ أنْ يُبَيِّنوهُ لكَ. لكنَّ في السَّماءِ إلهًا يكشِفُ الأسرارَ فأُعلِمُكَ، أيُّها المَلِكُ نَبوخذنَصَّرُ، بِما سيكونُ بَعدَ هذِهِ الأيّامِ. حلُمُكَ وما تراءى لكَ، وأنتَ نائِمٌ في فِراشِكَ هوَ هذا: جاءَتكَ أيُّها المَلِكُ، وأنتَ نائِمٌ في فِراشِكَ، أفكارٌ في ما سيكونُ بَعدَ هذِهِ الأيّامِ، واللهُ الّذي يكشِفُ الأسرارَ أعلَمَكَ بِسِرِّ ما سيكونُ. وهذا السِّرُّ اَنْكَشَفَ لي، لا لِحكمَةٍ فيَّ أكثرَ مِنْ سائِرِ الأحياءِ، ولكنْ لِأُعلِمَكَ أيُّها المَلِكُ بِتفسيرِ حُلُمِكَ وأفكارِ قلبِكَ. أنتَ أيُّها المَلِكُ رأيتَ فإذا بِتِمثالٍ عظيمٍ هائِلٍ كثيرِ البَهاءِ. كانَ واقِفًا أمامَكَ وكانَ مَنظَرُهُ رهيبًا. وكانَ رأسُهُ مِنْ ذهَبٍ خالصٍ، وصَدْرُهُ وذِراعاهُ مِنْ فِضَّةٍ، وبَطنُهُ وفَخذاهُ مِنْ نُحاسٍ، وساقاهُ مِنْ حديدٍ وقَدَماهُ بعضُهُما مِنْ حديدٍ والبعضُ مِنْ خزَفٍ، وبَينَما أنتَ تَنظُرُ إليهِ اَنقطَعَ حجَرٌ مِنَ الجبَلِ مِنْ دونِ أنْ تَلْمَسَهُ يَدٌ، فضَرَبَ التِّمثالَ على قدَمَيهِ اللَّتينِ مِنْ حديدٍ وخزَفٍ وسحَقَهُما. فاَنسَحَقَ الحديدُ والخزَفُ والنُّحاسُ والفِضَّةُ والذَّهَبُ معًا، وصارَت كُلُّها كَتِبْنِ البَيدَرِ في الصَّيفِ، فحَمَلَتْها الرِّيحُ وما وُجِدَ لها أثَرٌ. أمَّا الحجَرُ الّذي ضرَبَ التِّمثالَ، فصارَ جبَلًا كبيرًا ومَلأَ الأرضَ كُلَّها. ”هذا هوَ الحُلُمُ. أمَّا تفسيرُه فأُخبرُكَ بهِ أيُّها المَلِكُ: أنتَ أيُّها المَلِكُ مَلِكُ المُلوكِ، لِأنَّ إلهَ السَّماءِ وهبَكَ المُلْكَ والعِزَّةَ والقُدْرَةَ والجَلالَ، وكُلَّ ما يَسكُنُه بَنو البشَرِ ووُحوشُ البَرِّ وطُيورُ السَّماءِ وهَبَهُ لكَ وسَلَّطَكَ علَيهِ جميعًا، فأنتَ الرَّأسُ الّذي مِنْ ذهَبٍ. وبَعدَكَ تقومُ مَملَكَةٌ أُخرى أصغَرُ مِنْ مَملَكَتِكَ، ثُمَّ مَملَكَةٌ ثالِثَةٌ سِلاحُها مِنْ نُحاسٍ فتَتَسَلَّطُ على كُلِّ الأرضِ. ثُمَّ مَملَكَةٌ رابِعَةٌ يكونُ سِلاحُها صَلْبًا كالحديدِ، لِأنَّ الحديدَ يَسحَقُ ويَطحَنُ كُلَّ شيءٍ. فكما أنَّ الحديدَ يُحَطِّمُ، كذلِكَ تَسحَقُ هذِهِ المَملَكَةُ وتُحَطِّمُ جميعَ تِلكَ المَمالِكِ. كما رأيتَ أنَّ بَعضَ القدَمَينِ والأصابِعِ مِنْ خزَفِ الفخَّارِ والبَعضَ الآخرَ مِنْ حديدٍ، فلذلِكَ تكونُ المَملَكَةُ مُنقَسمَةً، ولكنْ فيها قسوةُ الحديدِ لأنَّ الحديدَ مِثلَما رأيتَ مُختَلِطٌ بِخزَفٍ مِنَ الطِّينِ. وكما أنَّ أصابِعَ القدَمَينِ، بَعضُها مِنْ حديدٍ وبَعضُها مِنْ خزَفٍ، فكذلِكَ يكونُ بَعضُ المَملَكَةِ صَلْبًا والبَعضُ سَريعَ الانكِسارِ. ورأيتَ أنَّ الحديدَ مُختَلِطٌ بِخزَفِ الطِّينِ فهذا يَعني أنَّ مُلوكَ تِلكَ المَملَكَةِ يَختَلِطونَ بَعضُهُم معَ بَعضٍ بالزَّواجِ، فلا يَلتَحِمونَ كما أنَّ الحديدَ لا يَختَلِطُ بالخزَفِ. وفي أيّامِ هؤلاءِ المُلوكِ يُقيمُ إلهُ السَّماءِ مَملَكَةً لا تَخرَبُ أبدًا، ولا يَغلِب سُلطانَها شعبٌ آخَرُ، فتَسحَقُ وتَفْني جميعَ تِلكَ المَمالِكِ، وهيَ تَثبُتُ إلى الأبدِ. ورأيتَ أنَّ حجَرًا اَنقَطَعَ مِنَ الجبَلِ مِنْ دُونِ أنْ تَلمَسَهُ يَدٌ، فسَحَقَ الحديدَ والنُّحاسَ والخزَفَ والفِضَّةَ والذَّهَبَ، فهذا يَعني أنَّ الإلهَ العظيمَ أعلَمَ المَلِكَ ما سيكونُ بَعدَ هذِهِ الأيّامِ. حُلُمُكَ صحيحٌ وتفسيري لَه صادِقٌ“. فوَقَعَ المَلِكُ نَبوخذنَصَّرُ على وجهِهِ ساجِدًا لدانيالَ وأمرَ لَه بِتَقدِمَةٍ وذبيحَةِ رِضًى. وقالَ المَلِكُ لدانيالَ: ”إلهُكُم هوَ إلهُ الآلِهَةِ حقًّا وربُّ المُلوكِ، لأنَّكَ قَدِرتَ أنْ تكشِفَ هذا السِّرَّ“. وأكرَمَ المَلِكُ دانيالَ، فوَهَبَهُ هدايا كثيرةً، وسَلَّطَهُ على كُلِّ إقليمِ بابِلَ، وجعَلَهُ على الدَّوامِ سيِّدَ حُكَّامِها جميعًا. وطَلَبَ دانيالُ مِنَ المَلِكِ، فوَلَّى شَدرَخَ وميشَخَ وعَبْدَنَغُو على أعمالِ إقليمِ بابِلَ. أمَّا دانيالُ، فبقيَ في قصرِ المَلِكِ.

دانيال 1:2-49GNA2025(الترجمة العربية المشتركة)

وفي السَّنَةِ الثَّانيَةِ مِنْ عَهدِ نبوخذنَصَّرَ المَلِكِ، حَلُمَ نَبوخذنَصَّرُ أحلامًا أزعَجَتْهُ ومنَعَت عَنهُ النَّومَ. فأمرَ أنْ يُدعَى السَّحَرَةُ والمَجوسُ والعَرَّافونَ والمُنَجِّمُونَ ليُفَسِّروا لَه أحلامَهُ، فجاؤوا ووقَفوا أمامَه. فقالَ لهُم: ”حَلُمْتُ حُلُمًا فانْزَعَجْتُ، وأُريدُ أنْ أعرفَ ما هوَ“. فأجابَه المُنَجِّمُونَ بالآراميَّةِ: ”أيُّها المَلِكُ عِشْتَ إلى الأبدِ. أخبِرْنا بالحُلُمِ فنُبَيِّنَ تفسيرَهُ“. فقالَ لهُمُ المَلِكُ: ”قُلتُ ولا مرَدَّ لِقولي: إنْ لم تُعلِمونيَ الحُلُمَ وتفسيرَه أُقَطِّعُكُم قِطَعًا وأجعَلُ بُيوتَكُم مَزابِلَ، وإنْ أعلَمْتُموني الحُلُمَ وبَيَّنتُم تفسيرَهُ تَنالونَ منِّي هدايا وجَوائِزَ وإكرامًا كثيرًا. فأعلِموني الحُلُمَ وبَيِّنوا لي تفسيرَهُ“. فأجابُوهُ ثانيَةً: ”أخبِرْنا أيُّها المَلِكُ بالحُلُمِ فنُبَيِّنَ تفسيرَهُ“. فقالَ لهُمُ المَلِكُ: ”أعلَمُ عِلْمَ اليَقينِ أنَّكُم تُحاوِلونَ كَسْبَ الوقتِ عِندَما رأيتُم أنْ لا مرَدَّ لِقولي. إنْ كُنتُم لا تُعلِموني الحُلُمَ، فعِقابُكُم واحدٌ، لأنَّكُمُ اتَّفَقْتُم معًا على كلامٍ كاذِبٍ فاسِدٍ تتكلَّمونَ بهِ أمامي، لَعلَّ الأحوالَ تتَغَيَّرُ معَ الوقتِ. لذلِكَ أخبِروني بِالحُلُمِ، فأعلَمَ أنَّكُم قادِرونَ أنْ تُبَيِّنوا لي تفسيرَهُ“. فقالَ المُنَجِّمونَ أمامَ المَلِكِ: ”ما مِنْ إنسانٍ في الأرضِ يَقدِرُ أنْ يُبَيِّنَ ما يأمُرُنا بهِ المَلِكُ، وما مِنْ مَلِكٍ عظيمِ السُّلطانِ سأَلَ ساحِرًا أو مَجوسيًّا أو مُنَجِّمًا عَنْ أمرٍ مِثلِ هذا. والأمرُ الّذي سأَلَ عَنهُ المَلِكُ عويصٌ، ولا أحدَ يُبَيِّنُه للمَلِكِ غيرُ الآلهةِ الّذينَ لا يسكُنونَ معَ البشَرِ“. عِندَ ذلِكَ غَضِبَ المَلِكُ واَغْتاظَ جدًّا، وأمرَ بِإِبادَةِ جميعِ حُكَماءِ بابِلَ. فصدَرَ الحُكْمُ بقَتلِهِم، ومِنهُم دانيالُ ورفاقُهُ. فراجَعَ دانيالُ، باستِعطافٍ وتأديبٍ، أريُوخَ قائِدَ حرَسِ المَلِكِ، وهوَ الّذي خرَجَ لِيَقتُلَ حُكَماءَ بابِلَ بِسُلطَةٍ مِنَ المَلِكِ، وقالَ لَه: ”لماذا هذا الحُكْمُ الشَّديدُ مِنَ المَلِكِ؟“ فأعلَمَ أريُوخُ دانيالَ بالأمرِ. فدخَلَ دانيالُ على المَلِكِ وطلَبَ إليهِ أنْ يُعطيَهُ وقتًا لِيُبَيِّنَ لَه تفسيرَ الحُلُمِ. وذهَبَ دانيالُ إلى بَيتِه وأعلَمَ حَنَنيا وميشائيلَ وعَزَريا رفاقَه بِالأمرِ، لِيَطلُبوا مِنْ إلهِ السَّماءِ أنْ يرحَمَهُم جميعًا ويكشِفَ لهُم سِرَّ هذا الحُلُمِ لِئلَّا يُبادوا معَ سائِرِ حُكُماءِ بابِلَ. وكانَ أنِ اَنْكَشفَ السِّرُّ لِدانيالَ في رُؤيا ليلٍ، فبارَكَ إلهَ السَّماءِ. وقالَ: ”لِيَكُنِ إِسْمُ اللهِ مُبارَكًا مِنَ الأزَلِ وإلى الأبدِ. فلَهُ الحكمَةُ والجَبَروتُ، وهوَ الّذي يُغَيِّرُ الأوقاتَ والأزمِنَةَ ويَعزِلُ المُلوكَ ويُقيمُهُم ويهَبُ الحكمَةَ للحُكَماءِ والمعرِفَةَ للفُهَماءِ. هوَ الّذي يكشِفُ الأعماقَ والخفايا، ويَعلَمُ ما في الظُّلمَةِ، وعِندَهُ يُضيءُ النُّورُ. إِيَّاكَ أحمَدُ يا إِلهَ آبائي. وإِيَّاكَ أُسَبِّحُ، لأنَّكَ وهَبْتَ ليَ الحكمَةَ والقُدْرَةَ، وبُحْتَ ليَ الآنَ بِما طلَبْناهُ مِنكَ، فَأعلَمْتَنا بِما نقولُ للمَلِكِ. ثُمَّ دخَلَ دانيالُ على أريوخَ الّذي توَلَّى بِأمرِ المَلِكِ إبادَةَ حُكَماءِ بابِلَ وقالَ لَه: ”لا تُبِدْ حُكَماءَ بابِلَ. أدخِلْني إلى أمامِ المَلِكِ فأُبَيِّنَ لَه تفسيرَ الحُلُمِ“. فأدخَلَهُ أريوخُ مُسرِعًا إلى أمامِ المَلِكِ وقالَ لَه: ”وجَدْتُ رَجُلًا مِنْ بَني يَهوذا المَسبيِّينَ يُعْلِمُكَ بِتفسيرِ الحُلُمِ“. فقالَ المَلِكُ لِدانيالَ الّذي اسمُهُ بَلطَشاصَّرُ: ”أتَقدِرُ أنتَ أنْ تُعلِمَني بِالحُلُمِ الّذي رأيتُهُ وتُبَيِّنَ لي تفسيرَهُ؟“ فأجابَهُ دانيالُ: ”السِّرُّ الّذي تسأَلُ عَنهُ، أيُّها المَلِكُ، لا يَقدِرُ الحُكَماءُ ولا المَجوسُ ولا السَّحَرَةُ ولا المُنَجِّمونَ أنْ يُبَيِّنوهُ لكَ. لكنَّ في السَّماءِ إلهًا يكشِفُ الأسرارَ فأُعلِمُكَ، أيُّها المَلِكُ نَبوخذنَصَّرُ، بِما سيكونُ بَعدَ هذِهِ الأيّامِ. حلُمُكَ وما تراءى لكَ، وأنتَ نائِمٌ في فِراشِكَ هوَ هذا: جاءَتكَ أيُّها المَلِكُ، وأنتَ نائِمٌ في فِراشِكَ، أفكارٌ في ما سيكونُ بَعدَ هذِهِ الأيّامِ، واللهُ الّذي يكشِفُ الأسرارَ أعلَمَكَ بِسِرِّ ما سيكونُ. وهذا السِّرُّ اَنْكَشَفَ لي، لا لِحكمَةٍ فيَّ أكثرَ مِنْ سائِرِ الأحياءِ، ولكنْ لِأُعلِمَكَ أيُّها المَلِكُ بِتفسيرِ حُلُمِكَ وأفكارِ قلبِكَ. أنتَ أيُّها المَلِكُ رأيتَ فإذا بِتِمثالٍ عظيمٍ هائِلٍ كثيرِ البَهاءِ. كانَ واقِفًا أمامَكَ وكانَ مَنظَرُهُ رهيبًا. وكانَ رأسُهُ مِنْ ذهَبٍ خالصٍ، وصَدْرُهُ وذِراعاهُ مِنْ فِضَّةٍ، وبَطنُهُ وفَخذاهُ مِنْ نُحاسٍ، وساقاهُ مِنْ حديدٍ وقَدَماهُ بعضُهُما مِنْ حديدٍ والبعضُ مِنْ خزَفٍ، وبَينَما أنتَ تَنظُرُ إليهِ اَنقطَعَ حجَرٌ مِنَ الجبَلِ مِنْ دونِ أنْ تَلْمَسَهُ يَدٌ، فضَرَبَ التِّمثالَ على قدَمَيهِ اللَّتينِ مِنْ حديدٍ وخزَفٍ وسحَقَهُما. فاَنسَحَقَ الحديدُ والخزَفُ والنُّحاسُ والفِضَّةُ والذَّهَبُ معًا، وصارَت كُلُّها كَتِبْنِ البَيدَرِ في الصَّيفِ، فحَمَلَتْها الرِّيحُ وما وُجِدَ لها أثَرٌ. أمَّا الحجَرُ الّذي ضرَبَ التِّمثالَ، فصارَ جبَلًا كبيرًا ومَلأَ الأرضَ كُلَّها. ”هذا هوَ الحُلُمُ. أمَّا تفسيرُه فأُخبرُكَ بهِ أيُّها المَلِكُ: أنتَ أيُّها المَلِكُ مَلِكُ المُلوكِ، لِأنَّ إلهَ السَّماءِ وهبَكَ المُلْكَ والعِزَّةَ والقُدْرَةَ والجَلالَ، وكُلَّ ما يَسكُنُه بَنو البشَرِ ووُحوشُ البَرِّ وطُيورُ السَّماءِ وهَبَهُ لكَ وسَلَّطَكَ علَيهِ جميعًا، فأنتَ الرَّأسُ الّذي مِنْ ذهَبٍ. وبَعدَكَ تقومُ مَملَكَةٌ أُخرى أصغَرُ مِنْ مَملَكَتِكَ، ثُمَّ مَملَكَةٌ ثالِثَةٌ سِلاحُها مِنْ نُحاسٍ فتَتَسَلَّطُ على كُلِّ الأرضِ. ثُمَّ مَملَكَةٌ رابِعَةٌ يكونُ سِلاحُها صَلْبًا كالحديدِ، لِأنَّ الحديدَ يَسحَقُ ويَطحَنُ كُلَّ شيءٍ. فكما أنَّ الحديدَ يُحَطِّمُ، كذلِكَ تَسحَقُ هذِهِ المَملَكَةُ وتُحَطِّمُ جميعَ تِلكَ المَمالِكِ. كما رأيتَ أنَّ بَعضَ القدَمَينِ والأصابِعِ مِنْ خزَفِ الفخَّارِ والبَعضَ الآخرَ مِنْ حديدٍ، فلذلِكَ تكونُ المَملَكَةُ مُنقَسمَةً، ولكنْ فيها قسوةُ الحديدِ لأنَّ الحديدَ مِثلَما رأيتَ مُختَلِطٌ بِخزَفٍ مِنَ الطِّينِ. وكما أنَّ أصابِعَ القدَمَينِ، بَعضُها مِنْ حديدٍ وبَعضُها مِنْ خزَفٍ، فكذلِكَ يكونُ بَعضُ المَملَكَةِ صَلْبًا والبَعضُ سَريعَ الانكِسارِ. ورأيتَ أنَّ الحديدَ مُختَلِطٌ بِخزَفِ الطِّينِ فهذا يَعني أنَّ مُلوكَ تِلكَ المَملَكَةِ يَختَلِطونَ بَعضُهُم معَ بَعضٍ بالزَّواجِ، فلا يَلتَحِمونَ كما أنَّ الحديدَ لا يَختَلِطُ بالخزَفِ. وفي أيّامِ هؤلاءِ المُلوكِ يُقيمُ إلهُ السَّماءِ مَملَكَةً لا تَخرَبُ أبدًا، ولا يَغلِب سُلطانَها شعبٌ آخَرُ، فتَسحَقُ وتَفْني جميعَ تِلكَ المَمالِكِ، وهيَ تَثبُتُ إلى الأبدِ. ورأيتَ أنَّ حجَرًا اَنقَطَعَ مِنَ الجبَلِ مِنْ دُونِ أنْ تَلمَسَهُ يَدٌ، فسَحَقَ الحديدَ والنُّحاسَ والخزَفَ والفِضَّةَ والذَّهَبَ، فهذا يَعني أنَّ الإلهَ العظيمَ أعلَمَ المَلِكَ ما سيكونُ بَعدَ هذِهِ الأيّامِ. حُلُمُكَ صحيحٌ وتفسيري لَه صادِقٌ“. فوَقَعَ المَلِكُ نَبوخذنَصَّرُ على وجهِهِ ساجِدًا لدانيالَ وأمرَ لَه بِتَقدِمَةٍ وذبيحَةِ رِضًى. وقالَ المَلِكُ لدانيالَ: ”إلهُكُم هوَ إلهُ الآلِهَةِ حقًّا وربُّ المُلوكِ، لأنَّكَ قَدِرتَ أنْ تكشِفَ هذا السِّرَّ“. وأكرَمَ المَلِكُ دانيالَ، فوَهَبَهُ هدايا كثيرةً، وسَلَّطَهُ على كُلِّ إقليمِ بابِلَ، وجعَلَهُ على الدَّوامِ سيِّدَ حُكَّامِها جميعًا. وطَلَبَ دانيالُ مِنَ المَلِكِ، فوَلَّى شَدرَخَ وميشَخَ وعَبْدَنَغُو على أعمالِ إقليمِ بابِلَ. أمَّا دانيالُ، فبقيَ في قصرِ المَلِكِ.

دانيال 1:2-49ت ع م(الكِتاب المُقَدَّس: التَّرْجَمَةُ العَرَبِيَّةُ المُبَسَّطَةُ)

وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مُلكِ نَبُوخَذْنَاصَّرَ، حَلِمَ نَبُوخَذْنَاصَّرُ أحْلَامًا سَبَّبَتْ لَهُ انزِعَاجًا فِي رُوحِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَنَامَ. فَأمَرَ المَلِكُ المُنَجِمِّينَ وَالسَّحَرَةَ وَالكَلْدَانِيِّينَ أنْ يُخبِرُوا المَلِكَ بِأحْلَامِهِ، فَأتَوْا وَوَقَفُوا فِي حَضْرَةِ المَلِكِ. فَقَالَ لَهُمُ المَلِكُ: «حَلُمتُ حُلْمًا، وَأنَا مُنْزَعِجٌ! وَأُرِيدُ أنْ تَعْرِفُوا مَا هُوَ الحُلْمُ الَّذِي حَلِمْتُهُ.» فَقَالَ الكِلدَانِيُّونُ لِلمَلِكِ بِالأرَامِيَّةِ: «عِشْ سَالِمًا أيُّهَا المَلِكُ! أخبِرْنَا نَحْنُ خُدَّامَكَ بِحُلْمِكَ، فَنُفَسِّرَهُ لَكَ.» فَأجَابَهُمُ المَلِكُ: «قُلْتُ كَلِمَةً لَنْ أرجِعَ عَنْهَا. فَإنْ لَمْ تُخبِرُونِي مَا هُوَ الحُلْمُ وَمَا هُوَ تَفْسِيرُهُ فَإنَّكُمْ سَتُقَطَّعُونَ تَقْطِيعًا، وَسَتُحَوَّلُ بُيُوتُكُمْ إلَى كَومَةِ حِجَارَةٍ. وَلَكِن إنْ أخبَرتُمُونِي بِالحُلْمِ وَتَفْسِيرِهِ، فَسَتَنَالُونَ هَدَايَا وَإكرَامِيَّاتٍ وَثَروَةً عَظِيمَةً. وَالْآنَ، أخبِرُونِي بِالحُلْمِ وَتَفْسِيرِهِ.» فَأجَابَ الكَلْدَانِيُّونَ وَقُالُوا: «أيُّهَا المَلِكُ أخبِرْنَا، نَحْنُ خُدَّامَكَ، بِالحُلْمِ حَتَّى نُخبِرَكَ بِتَفْسِيرِهِ.» فَأجَابَ المَلِكُ: «أنْتُمْ تُحَاوِلُونَ كَسْبَ الوَقْتِ، لِأنَّكُمْ تَعْرِفُونَ أنِّي أعنِي مَا قُلْتُهُ. إنْ لَمْ تُخبِرُونِي بِالحُلْمِ، سَتَنَالُونَ العِقَابَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ. قَدِ اتَّفَقتُمْ عَلَى أنْ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، آمِلِينَ أنْ أنْسَى بِمُرُورِ الوَقْتِ. لِذَلِكَ أطلُبُ مِنْكُمْ أنْ تَكْتَشِفُوا الحُلْمَ نَفْسَهُ، فَأعلَمَ أنَّكُمْ قَادِرُونَ عَلَى تَفْسِيرِهِ.» فَأجَابَ الكَلْدَانِيُّونَ المَلِكَ وَقُالُوا: «لَا يَمْلِكُ إنْسَانٌ قُدرَةً لِلإخبَارِ بِمَا يَطْلُبُهُ المَلِكُ! فَلَمْ يَسْبِقْ لِمَلِكٍ، مَهْمَا كَانَ عَظِيمًا وَقَدِيرًا، أنْ طَلَبَ شَيْئًا كَهَذَا مِنْ مُنَجِّمٍ أوْ سَاحِرٍ أوْ كَلْدَانِيٍّ. هَذَا صَعبٌ جِدًّا! وَلَا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُعلِنَهُ لِلمَلِكِ إلَّا الآلِهَةُ الَّذِينَ لَا يَسْكُنُونَ وَسَطَ البَشَرِ.» حِينَئِذٍ، غَضِبَ المَلِكُ وَاغتَاظَ جِدًّا، وَأمَرَ بِإبَادَةِ جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. فَصَدَرَ المَرسُومُ وَابْتَدَأُوا بِقَتْلِ الحُكَمَاءِ. كَمَا أرَادُوا قَتْلَ دَانِيَالَ وَرِفَاقِهِ. لَكِنَّ دَانِيَالَ أرْسَلَ رِسَالَةً إلَى أرْيُوخَ رَئِيسِ جَلَّادِيِّ المَلِكِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِقَتْلِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. وَقَالَ لَهُ: «إلَى أرْيُوخَ خَادِمِ المَلِكِ. مَا سَبَبُ هَذَا الأمْرِ المُسْتَعْجَلِ مِنَ المَلِكِ؟» فَأرْسَلَ أرْيُوخُ رِسَالةً يَشْرَحُ فِيهَا الأمْرَ. فَقَرَّرَ دَانِيَالُ أنْ يَذْهَبَ إلَى القَصرِ، وَطَلَبَ أنْ يَمْثُلَ أمَامَ المَلِكِ لِيُخبِرَهُ بِالتَّفسِيرِ. ثُمَّ ذَهَبَ دَانِيَالُ إلَى البَيْتِ، وَأخبَرَ رِفَاقَهُ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا بِمَا يَحْدُثُ. فَصَلُّوا طَالِبِينَ رَحمَةَ إلَهِ السَّمَاءِ، لِكَي يُعلِنَ لَهُمُ السِّرَّ فَلَا يَهْلِكَ دَانِيَالُ وَرِفَاقُهُ مَعَ بَقِيَّةِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. فَأعلَنَ اللهُ السِّرَّ لِدَانِيَالَ فِي أحْلَامِهِ، فَسَجَدَ دَانِيَالُ لِإلَهِ السَّمَاءِ وَمَجِّدَهُ، فَقَالَ: «لِيَتَبَارَكِ اسْمُ اللهِ إلَى أبَدِ الآبِدِينَ، لِأنَّ لَهُ وَمِنْهُ الحِكْمَةَ وَالقُوَّةَ! هُوَ يُغَيِّرُ الأوقَاتَ وَالمَوَاسِمَ! يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا آخَرِينَ. يُعْطِي الحِكْمَةَ لِلحُكَمَاءِ، وَالفَهْمَ لِلفُهَمَاءِ، يُعلِنُ الأُمُورَ العَمِيقَةَ وَالأسرَارَ المَخْفِيَّةَ. يَعْرِفُ مَا يَكْمُنُ فِي الظُّلمَةِ، لِأنَّهُ يَسْكُنُ النُّورَ. «يَا إلَهَ آبَائِي، أشكُرُكَ وَأُسَبِّحُكَ، لِأنَّكَ أعْطَيْتَنِي حِكْمَةً وَقُوَّةً، وَلِأنَّكَ أعلَنتَ لِي مَا طَلَبتُهُ مِنْكَ، فَأعلَنتَ لِي مَا يُرِيدُهُ المَلِكُ.» فَذَهَبَ دَانِيَالُ إلَى القَصرِ، وَقَابَلَ أرْيُوخَ الَّذِي أمَرَهُ المَلِكُ بِقَتْلِ الحُكَمَاءِ فِي بَابِلَ، وَقَالَ لَهُ: «لَا تَقْتُلْ حُكَمَاءَ بَابِلَ، بَلْ خُذنِي إلَى المَلِكِ فَأُخبِرَهُ بِتَفْسِيرِ حُلْمِهِ.» فَأخَذَ أرْيُوخُ دَانِيَالَ بِسُرعَةٍ إلَى المَلِكِ. وَقَالَ أريُوخُ لِلمَلِكِ: «وَجَدْتُ رَجُلًا مِنَ المَسبِيِّينَ مِنْ يَهُوذَا، يُمكِنُهُ أنْ يُفَسِّرَ حُلْمَ المَلِكِ!» فَقَالَ المَلِكُ لِدَانِيَالَ – الَّذِي اسْمُهُ بِالأرَامِيَّةِ بَلْطْشَاصَّرُ: «أحَقًّا تَسْتَطِيعُ أنْ تُخبِرَنِي بِالحُلْمِ وَبِتَفْسِيرِهِ؟» فَأجَابَ دَانِيَالُ المَلِكَ: «لَا يَسْتَطِيعُ الحُكَمَاءُ وَالسَّحَرَةُ وَالمُنَجِمُّونَ وَالعَرَّافُونَ أنْ يُعلِنُوا هَذَا السِّرَّ لِلمَلِكِ. وَلَكِنْ هُنَاكَ إلَهٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ يَقْدِرُ أنْ يُعلِنَ الأسرَارَ. فَاللهُ قَد أعْلَنَ لَكَ، أيُّهَا المَلِكُ نَبُوخَذْنَاصَّرُ، مَا سَيَحْدُثُ فِي آخِرِ الأيَّامِ. وَهَذَا هُوَ الحُلْمُ وَالرُّؤيَا الَّتِي رَأيْتَهَا وَأنْتَ عَلَى سَرِيرِكَ. تُشِيرُ الأفكَارُ الَّتِي رَاوَدَتْكَ وَأنْتَ نَائِمٌ إلَى مَا سَيَحْدُثُ فِي المُسْتَقْبَلِ. فَمُعلِنُ الأسْرَارِ قَد أخبَرَكَ بِمَا سَيَحْدُثُ. أمَّا بِشَأنِي، فَلَمْ يُعلِنْ لِيَ اللهُ هَذَا لِأنِّي أكْثَرُ حِكْمَةً مِنْ أيِّ مَخْلُوقٍ آخَرَ، بَلْ لِكَي تَعْلَمَ أيُّهَا المَلِكُ تَفْسِيرَ حُلْمِكَ، فَتَفْهَمَ مَا كَانَ فِي ذِهنِكَ. «أيُّهَا المَلِكُ، بَيْنَمَا كُنْتَ تَنْظُرُ، ظَهَرَ تِمثَالٌ عَظِيمٌ جِدًّا وَوَقَفَ أمَامَكَ. كَانَ لَمَعَانُهُ عَظِيمًا جِدًّا، وَمَنظَرُهُ مُخِيفًا وَمُدْهِشًا. كَانَ رَأسُ التِّمثَالِ ذَهَبًا نَقِيًّا، وَكَتِفَاهُ وَذِرَاعَاهُ فِضَّةً، وَبَطنُهُ مِنَ البرُونزِ، وَفَخذَاهُ حَدِيدًا، وَالجُزءُ السُّفلِيُّ مِنْ رِجلَيهِ بَعْضُهُ حَدِيدٌ وَبَعْضُهُ الآخَرُ طِينٌ. وَبَيْنَمَا كُنْتَ تَنْظُرُ، قُطِعَ حَجَرٌ. وَبِدُونِ أنْ يَدْفَعَهُ أحَدٌ، طَارَ الحَجَرُ وَضَرَبَ التِّمثَالَ عَلَى الجُزءِ السُّفلِيِّ مِنْ قَدَمَيهِ المُكَوَّنِ مِنْ خَلِيطِ الحَدِيدِ وَالطِّينِ، فَسَحَقَهُ. فَسُحِقَ كُلُّ الطِّينِ وَالحَدِيدِ وَالبرُونزِ وَالفِّضَّةِ وَالذَّهَبِ، وَصَارَ غُبَارًا حَمَلَتهُ الرِّيحُ مِثْلَ التِّبنِ وَقْتَ حَصَادِ الصَّيفِ، حَتَّى لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ مَعْرِفَةَ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ. ثُمَّ كَبِرَ الحَجَرُ وَصَارَ جَبَلًا عَظِيمًا مَلأ الأرْضَ. «هَذَا هُوَ الحُلْمُ، وَالْآنَ سَأُخبِرُ المَلِكَ بِتَفْسِيرِهِ. أيُّهَا المَلِكُ، أنْتَ مَلِكٌ عَظِيمٌ اخْتَارَكَ إلَهُ السَّمَاءِ لِتَكُونَ مَلِكًا عَظِيمًا، وَأعطَاكَ قُوَّةً وَغِنَىً. وَجَعَلَكَ مَسؤُولًا عَنْ كُلِّ البَشَرِ أيْنَمَا كَانُوا، وَعَنِ الحَيَوَانَاتِ البَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، إذْ جَعَلَكَ حَاكِمًا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. فَأنْتَ هُوَ رَأسُ الذَّهَبِ فِي هَذَا التِّمثَالِ. وَلَكِن بَعْدَكَ سَتَأْتِي مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أقَلُّ مِنْكَ قِيمَةً، ثُمَّ مَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ مِنَ البرُونزِ سَتَمْلُكُ عَلَى كُلِّ الأرْضِ. وَالمَملَكَةُ الرَّابِعَةُ سَتَكُونُ بِقُوَّةِ الحَدِيدِ. وَكَمَا يَسْحَقُّ الِحَدِيدُ كُلَّ شَيءٍ، سَتَسْحَقُ هَذِهِ المَملَكَةُ المَمَالِكَ الأُخرَى وَتُحَطِّمُهَا. وَكَمَا رَأيْتَ أنَّ قَدَمَيِّ التِّمثَالِ وَأصَابِعَهُ كَانَتْ خَلِيطًا مِنْ طِينٍ وَحَدِيدٍ، فَسَتَكُونُ هَذِهِ المَمْلَكَةُ مُنقَسِمَةً مَعَ أنَّ لَهَا قُوَّةَ الحَدِيدِ. لَكِنَّهُ مُختَلِطٌ بِالطِّينِ كَمَا رَأيْتَ. وَلِأنَّ الأصَابِعَ كَانَتْ خَلِيطًا مِنْ حَدِيدٍ وَطِينٍ، فَسَتَكُونُ لِلمَمْلَكَةِ جَوَانِبُ ضَعفٍ وَجَوَانِبُ قُوَّةٍ. قَدْ رَأيْتَ اختِلَاطَ الحَدِيدِ وَالطِّينِ. هَكَذَا سَيكُونُ النَّاسُ هُنَاكَ. لَكِنَّ هَذَا الِاخْتِلَاطَ هَشٌّ لَنْ يَصْمِدَ، كَمَا لَا يَصْمِدُ اختِلَاطُ الحَدِيدِ وَالطِّينِ. «وَفِي أيَّامِ أُولَئِكَ المُلُوكِ، سَيُؤَسِّسُ إلَهُ السَّمَاءِ مَملَكَةً أبَدِيَّةً لَا تُدَمَّرُ. وَلَن تُتْرَكَ تِلْكَ المَملَكَةُ لِلغُرَبَاءِ، بَلْ سَتَسْحَقُ تِلْكَ المَملَكَةُ وَتَلْتَهِمُ مَمَالِكَ أُخْرَى، وَهِيَ سَتَثْبُتُ إلَى الأبَدِ. فَهَذَا هُوَ الحَجَرُ الَّذِي قُطِعَ مِنَ الجَبَلِ بِلَا يَدَينِ، فَسَحَقَ الحَدِيدَ وَالبُرُونْزَ وَالطِّينَ وَالفِّضَّةَ وَالذَّهَبَ. فَقَدْ أعْلَنَ اللهُ العَظِيمُ لِلمَلِكِ مَا سَيَحْدُثُ فِي المُسْتَقْبَلِ. هَذَا هُوَ الحُلْمُ، وَتَفْسِيرُهُ صَحِيحٌ.» حِينَئِذٍ، انحَنَى المَلِكُ وَرَأسُهُ إلَى الأرْضِ، ثُمَّ أمَرَ بِتَقْدِيمِ تَقْدِمَاتٍ وَعُطُورٍ جَمِيلَةٍ لِدَانِيَالَ. وَقَالَ المَلِكُ لِدَانِيَالَ: «حَقًّا إنَّ إلَهَكُمْ إلَهٌ عَظِيمٌ. هُوَ مُعلِنُ الأسرَارِ، إذْ قَدْ أعْلَنَ لَكَ هَذَا السِّرَّ.» فَأكرَمَ المَلِكُ دَانِيَالَ وَرَقَّاهُ، وَأعْطَاهُ هَدَايَا ثَمِينَةً وَجَعَلَهُ مَسْؤُولًا عَنْ مُقَاطَعَةِ بَابِلَ. كَمَا جَعَلَهُ رَئِيسًا عَلَى جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. وَطَلَبَ دَانِيَالُ مِنَ المَلِكِ أنْ يُعَيِّنَ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعِبْدَنَغُوَ عَلَى خَدَمَاتِ مُقَاطَعَةِ بَابِلَ. أمَّا دَانِيَالُ فَبَقِيَ فِي البَلَاطِ المَلَكِيِّ.

دانيال 1:2-49KEH(كتاب الحياة)

وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مُلْكِ نَبُوخَذْنَصَّرَ حَلَمَ نَبُوخَذْنَصَّرُ أَحْلاماً أَزْعَجَتْهُ وَطَرَدَتْ عَنْهُ الْنَّوْمَ، فَأَمَرَ أَنْ يُدْعَى السَّحَرَةُ وَالْمَجُوسُ وَالْعَرَّافُونَ وَالْمُنَجِّمُونَ لِيُخْبِرُوهُ بِأَحْلامِهِ فَحَضَرُوا وَمَثَلُوا أَمَامَهُ. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: «إِنِّي حَلَمْتُ حُلْماً انْزَعَجَتْ لَهُ نَفْسِي، وَلَنْ تَطْمَئِنَّ حَتَّى تَعْرِفَ الْحُلْمَ وَمَعْنَاهُ». فَأَجَابُوا بِالأَرَامِيَّةِ: «لِتَعِشْ إِلَى الأَبَدِ أَيُّهَا الْمَلِكُ. اسْرُدْ عَلَى عَبِيدِكَ الْحُلْمَ فَنُفَسِّرَهُ لَكَ». فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: «قَدْ صَدَرَ عَنِّي الأَمْرُ: إِنْ لَمْ تَسْرُدُوا عَلَيَّ الْحُلْمَ وَتُفَسِّرُوهُ، تُمَزَّقُوا إِرْباً إِرْباً، وَتُصْبِحُ بُيُوتُكُمْ أَنْقَاضاً. وَإِنْ أَنْبَأْتُمُونِي بِالْحُلْمِ وَتَفْسِيرِهِ أُغْدِقُ عَلَيْكُمْ هَدَايَا وَجَوَائِزَ، وَأُسْبِغُ عَلَيْكُمُ الإِكْرَامَ. وَالآنَ اسْرُدُوا عَلَيَّ الْحُلْمَ وَتَفْسِيرَهُ». فَأَجَابُوهُ ثَانِيَةً: «لِيُنْبِئِ الْمَلِكُ عَبِيدَهُ بِالْحُلْمِ فَنَكْشِفَ عَنْ مَعْنَاهُ». فَرَدَّ الْمَلِكُ: «إِنِّي أَعْلَمُ يَقِيناً أَنَّكُمْ تَسْعَوْنَ لاِكْتِسَابِ الْوَقْتِ، إِذْ أَدْرَكْتُمْ أَنِّي أَصْدَرْتُ أَمْراً مُبْرَماً بِمُعَاقَبَتِكُمْ إِنْ لَمْ تُنْبِئُونِي بِالْحُلْمِ، لأَنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلَى اخْتِلاقِ الْكَذِبِ وَالضَّلالِ لِتَنْطِقُوا بِهِمَا أَمَامِي إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْحُلْمِ. لِذَلِكَ أَنْبِئُونِي أَوَّلاً بِمَا حَلَمْتُ فَأَعْلَمَ آنَئِذٍ أَنَّكُمْ قَادِرُونَ عَلَى تَفْسِيرِهِ». فَأَجَابُوا: «لَيْسَ عَلَى الأَرْضِ إِنْسَانٌ فِي وُسْعِهِ تَلْبِيَةُ أَمْرِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَحْدُثْ قَطُّ أَنَّ مَلِكاً عَظِيماً ذَا سُلْطَانٍ طَلَبَ مِثْلَ هَذَا الأَمْرِ مِنْ مَجُوسِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ مُنَجِّمٍ. وَمَطْلَبُ الْمَلِكِ مُتَعَذِّرٌ لَا يُمْكِنُ لأَحَدٍ أَنْ يُنْبِئَ بِهِ الْمَلِكَ سِوَى الآلِهَةِ الَّذِينَ لَا يَسْكُنُونَ مَعَ الْبَشَرِ». عِنْدَ ذَلِكَ اسْتَشَاطَ الْمَلِكُ غَضَباً وَحَنَقاً وَأَمَرَ بِإِبَادَةِ كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ. وَهَكَذَا صَدَرَ الأَمْرُ بِقَتْلِ كُلِّ الْحُكَمَاءِ. وَجَاءَ مَنْ يَقْبِضُ عَلَى دَانِيَالَ وَرِفَاقِهِ لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ. فَخَاطَبَ دَانِيَالُ بِحِكْمَةٍ وَتَبَصُّرٍ أَرْيُوخَ قَائِدَ حَرَسِ الْمَلِكِ الَّذِي خَرَجَ لِيَقْتُلَ حُكَمَاءَ بَابِلَ، وَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا أَصْدَرَ الْمَلِكُ هَذَا الأَمْرَ الْعَنِيفَ؟» فَأَخْبَرَ أَرْيُوخُ دَانيالَ بِمَا حَدَثَ. فَمَثَلَ دَانِيَالُ أَمَامَ الْمَلِكِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَمْنَحَهُ وَقْتاً فَيُطْلِعُهُ عَلَى تَفْسِيرِ الْحُلْمِ. ثُمَّ مَضَى دَانِيَالُ إِلَى بَيْتِهِ وَأَبْلَغَ رِفَاقَهُ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا الأَمْرَ، لِيَطْلُبُوا مِنْ إِلَهِ السَّمَاوَاتِ الرَّحْمَةَ بِشَأْنِ هَذَا اللُّغْزِ لِكَيْ لَا يَهْلِكَ دَانِيَالُ وَرِفَاقُهُ مَعَ سَائِرِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. عِنْدَئِذٍ انْكَشَفَ السِّرُّ لِدَانِيَالَ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، فَبَارَكَ إِلَهَ السَّمَاوَاتِ، قَائِلاً: «لِيَكُنِ اسْمُ اللهِ مُبَارَكاً مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ لأَنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ وَالْقُدْرَةَ. هُوَ يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالْفُصُولَ. يَعْزِلُ مُلُوكاً وَيُنَصِّبُ مُلُوكاً. يَهَبُ الْحُكَمَاءَ حِكْمَةً وَذَوِي الْفِطْنَةِ مَعْرِفَةً. يَكْشِفُ الأَعْمَاقَ وَالْخَفَايَا وَيَعْلَمُ مَا فِي بَاطِنِ الظُّلْمَةِ، وَلَدَيْهِ يَسْكُنُ النُّورُ. لَكَ يَا إِلَهَ آبَائِي أَحْمَدُ وَأُسَبِّحُ، لأَنَّكَ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالْحِكْمَةِ وَالْقُوَّةِ، أَطْلَعْتَنِي الآنَ عَلَى مَا الْتَمَسْنَاهُ مِنْكَ إِذْ عَرَّفْتَنَا بِأَمْرِ الْمَلِكِ». ثُمَّ قَالَ دَانِيَالُ لأَرْيُوخَ الَّذِي كَلَّفَهُ الْمَلِكُ بِإِبَادَةِ حُكَمَاءِ بَابِلَ: «لا تَقْتُلْ حُكَمَاءَ بَابِلَ. أَدْخِلْنِي لِلْمُثُولِ أَمَامَ الْمَلِكِ فَأَكْشِفَ لَهُ عَنْ تَفْسِيرِ الْحُلْمِ». فَأَسْرَعَ أَرْيُوخُ بِإِحْضَارِ دَانِيَالَ إِلَى الْمَلِكِ وَقَالَ: «قَدْ عَثَرْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ سَبْيِ يَهُوذَا، وَهُوَ يُنْبِئُ الْمَلِكَ بِتَفْسِيرِ الْحُلْمِ». فَسَأَلَ الْمَلِكُ دَانِيَالَ الْمَدْعُو بَلْطَشَاصَّرَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ أَنْ تُطْلِعَنِي عَلَى الْحُلْمِ الَّذِي رَأَيْتُ وَعَلَى تَفْسِيرِهِ؟» فَأَجَابَ دَانِيَالُ الْمَلِكَ: «لا يَسْتَطِيعُ سَاحِرٌ أَوْ حَكِيمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ مُنَجِّمٌ أَنْ يُطْلِعَ الْمَلِكَ عَلَى السِّرِّ الَّذِي طَلَبَهُ. وَلَكِنْ هُنَاكَ إِلَهٌ فِي السَّمَاءِ يُعْلِنُ الْخَفَايَا. وَقَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ عَمَّا سَيَحْدُثُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ. أَمَّا حُلْمُكَ وَالرُّؤْيَا الَّتِي شَهِدْتَهَا فِي مَنَامِكَ فَهِيَ هَذِهِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، فِيمَا أَنْتَ مُسْتَلْقٍ عَلَى مَضْجَعِكَ انْتَابَتْكَ الأَفْكَارُ عَمَّا يَحْدُثُ فِي الأَيَّامِ الْمُقْبِلَةِ، وَالَّذِي يَكْشِفُ الْخَفَايَا عَرَّفَكَ بِمَا سَيَكُونُ. وَقَدْ أَعْلَنَ لِي هَذَا السِّرَّ، لَا لِحِكْمَةٍ فِيَّ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الأَحْيَاءِ، إِنَّمَا لِكَيْ يُطْلِعَ الْمَلِكَ عَلَى تَفْسِيرِهِ وَتُدْرِكَ أَفْكَارَ قَلْبِكَ. رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَإذَا بِتِمْثَالٍ عَظِيمٍ ضَخْمٍ كَثِيرِ الْبَهَاءِ وَاقِفاً أَمَامَكَ وَكَانَ مَنْظَرُهُ هَائِلاً. وَكَانَ رَأْسُ التِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَصَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَبَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدَمَاهُ خَلِيطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَمِنْ خَزَفٍ. وَبَيْنَمَا أَنْتَ فِي الرُّؤْيَا انْقَضَّ حَجَرٌ لَمْ يُقْطَعْ بِيَدِ إِنْسَانٍ، وَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْمَصْنُوعَتَيْنِ مِنْ خَلِيطِ الْحَدِيدِ وَالْخَزَفِ فَسَحَقَهُمَا، فَتَحَطَّمَ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعاً، وَانْسَحَقَتْ وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ الْبَيْدَرِ فِي الصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا الرِّيحُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ. أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ فَتَحَوَّلَ إِلَى جَبَلٍ كَبِيرٍ وَمَلأَ الأَرْضَ كُلَّهَا. هَذَا هُوَ الْحُلْمُ. أَمَّا تَفْسِيرُهُ فَهَذَا مَا نُخْبِرُ بِهِ الْمَلِكَ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ هُوَ مَلِكُ الْمُلُوكِ، لأَنَّ إِلَهَ السَّمَاوَاتِ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِمَمْلَكَةٍ وَقُدْرَةٍ وَسُلْطَانٍ وَمَجْدٍ، وَوَلّاكَ وَسَلَّطَكَ عَلَى كُلِّ مَا يَسْكُنُهُ أَبْنَاءُ الْبَشَرِ وَوُحُوشُ الْبَرِّ وَطُيُورُ السَّمَاءِ. فَأَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي مِنْ ذَهَبٍ. ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَقُومَ مِنْ بَعْدِكَ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَقَلُّ شَأْناً مِنْكَ، وَتَلِيهَا مَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مُمَثَّلَةٌ بِالنُّحَاسِ فَتَسُودُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. ثُمَّ تَعْقُبُهَا مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، فَتُحَطِّمُ وَتَسْحَقُ كُلَّ تِلْكَ الْمَمَالِكِ كَالْحَدِيدِ الَّذِي يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَمَا رَأَيْتَ أَنَّ الْقَدَمَيْنِ وَالأَصَابِعَ هِيَ خَلِيطٌ مِنْ خَزَفٍ وَحَدِيدٍ، فَإِنَّ الْمَمْلَكَةَ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً فَيَكُونُ فِيهَا مِنْ قُوَّةِ الْحَدِيدِ، بِمِقْدَارِ مَا شَاهَدْتَ فِيهَا مِنَ الْحَدِيدِ مُخْتَلِطاً بِالْخَزَفِ. وَكَمَا أَنَّ أَصَابِعَ الْقَدَمَيْنِ بَعْضُهَا مِنْ حَدِيدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمَمْلَكَةِ يَكُونُ صَلْباً وَالْبَعْضُ الآخَرُ هَشّاً. وَكَمَا رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطاً بِخَزَفِ الطِّينِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَمْلَكَةَ تَعْقِدُ صِلاتِ زَوَاجٍ مَعَ مَمَالِكِ النَّاسِ الأُخْرَى، إِنَّمَا لَا يَلْتَحِمُونَ مَعاً، كَمَا أَنَّ الْحَدِيدَ لَا يَخْتَلِطُ بِالْخَزَفِ. وَفِي عَهْدِ هَؤُلاءِ الْمُلُوكِ يُقِيمُ إِلَهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَا تَنْقَرِضُ إِلَى الأَبَدِ، وَلا يُتْرَكُ مُلْكُهَا لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُبِيدُ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَمَالِكِ. أَمَّا هِيَ فَتَخْلُدُ إِلَى الأَبَدِ. لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّ الْحَجَرَ الْمُنْقَضَّ الَّذِي لَمْ يُقْطَعْ مِنَ الْجَبَلِ بِيَدَيْنِ، قَدْ سَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ. إِنَّ اللهَ الْعَظِيمَ قَدْ أَطْلَعَ الْمَلِكَ عَمَّا سَيَحْدُثُ فِي الأَيَّامِ الآتِيَةِ؛ فَالْحُلْمُ حَقِيقَةٌ وَتَفْسِيرُهُ صِدْقٌ». حِينَئِذٍ انْطَرَحَ نَبُوخَذْنَصَّرُ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيَالَ، وَأَمَرَ أَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ تَقْدِمَةً وَرَائِحَةَ رِضًى وَقَالَ الْمَلِكُ لِدَانِيَالَ: «حَقّاً إِنَّ إِلَهَكُمْ هُوَ إِلَهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الْمُلُوكِ وَكَاشِفُ الأَسْرَارِ، لأَنَّكَ اسْتَطَعْتَ إِعْلانَ هَذَا السِّرِّ». ثُمَّ عَظَّمَ الْمَلِكُ دَانِيَالَ وَوَهَبَهُ عَطَايَا كَثِيرَةً، وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلايَةِ بَابِلَ، وَأَقَامَهُ رَئِيساً عَلَى كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ وَوُلاتِهَا. وَطَلَبَ دَانِيَالُ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يُعَيِّنَ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُو عَلَى شُؤُونِ وِلايَةِ بَابِلَ، فَفَعَلَ. أَمَّا دَانِيَالُ فَأَقَامَ فِي قَصْرِ الْمَلِكِ.

دانيال 1:2-49AVD(الكتاب المقدس)

وَفِي ٱلسَّنَةِ ٱلثَّانِيَةِ مِنْ مُلْكِ نَبُوخَذْنَصَّرَ، حَلَمَ نَبُوخَذْنَصَّرُ أَحْلَامًا، فَٱنْزَعَجَتْ رُوحُهُ وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُهُ. فَأَمَرَ ٱلْمَلِكُ بِأَنْ يُسْتَدْعَى ٱلْمَجُوسُ وَٱلسَّحَرَةُ وَٱلْعَرَّافُونَ وَٱلْكَلْدَانِيُّونَ لِيُخْبِرُوا ٱلْمَلِكَ بِأَحْلَامِهِ. فَأَتَوْا وَوَقَفُوا أَمَامَ ٱلْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُمُ ٱلْمَلِكُ: «قَدْ حَلَمْتُ حُلْمًا وَٱنْزَعَجَتْ رُوحِي لِمَعْرِفَةِ ٱلْحُلْمِ». فَكَلَّمَ ٱلْكَلْدَانِيُّونَ ٱلْمَلِكَ بِٱلْأَرَامِيَّةِ: «عِشْ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ إِلَى ٱلْأَبَدِ. أَخْبِرْ عَبِيدَكَ بِٱلْحُلْمِ فَنُبَيِّنَ تَعْبِيرَهُ». فَأَجَابَ ٱلْمَلِكُ وَقَالَ لِلْكَلْدَانِيِّينَ: «قَدْ خَرَجَ مِنِّي ٱلْقَوْلُ: إِنْ لَمْ تُنْبِئُونِي بِٱلْحُلْمِ وَبِتَعْبِيرِهِ، تُصَيَّرُونَ إِرْبًا إِرْبًا وَتُجْعَلُ بُيُوتُكُمْ مَزْبَلَةً. وَإِنْ بَيَّنْتُمُ ٱلْحُلْمَ وَتَعْبِيرَهُ، تَنَالُونَ مِنْ قِبَلِي هَدَايَا وَحَلَاوِينَ وَإِكْرَامًا عَظِيمًا. فَبَيِّنُوا لِي ٱلْحُلْمَ وَتَعْبِيرَهُ». فَأَجَابُوا ثَانِيَةً وَقَالُوا: «لِيُخْبِرِ ٱلْمَلِكُ عَبِيدَهُ بِٱلْحُلْمِ فَنُبَيِّنَ تَعْبِيرَهُ». أَجَابَ ٱلْمَلِكُ وَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّكُمْ تَكْتَسِبُونَ وَقْتًا، إِذْ رَأَيْتُمْ أَنَّ ٱلْقَوْلَ قَدْ خَرَجَ مِنِّي بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ تُنْبِئُونِي بِٱلْحُلْمِ فَقَضَاؤُكُمْ وَاحِدٌ. لِأَنَّكُمْ قَدِ ٱتَّفَقْتُمْ عَلَى كَلَامٍ كَذِبٍ وَفَاسِدٍ لِتَتَكَلَّمُوا بِهِ قُدَّامِي إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ ٱلْوَقْتُ. فَأَخْبِرُونِي بِٱلْحُلْمِ، فَأَعْلَمَ أَنَّكُمْ تُبَيِّنُونَ لِي تَعْبِيرَهُ». أَجَابَ ٱلْكَلْدَانِيُّونَ قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ وَقَالُوا: «لَيْسَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِنْسَانٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَ ٱلْمَلِكِ. لِذَلِكَ لَيْسَ مَلِكٌ عَظِيمٌ ذُو سُلْطَانٍ سَأَلَ أَمْرًا مِثْلَ هَذَا مِنْ مَجُوسِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ كَلْدَانِيٍّ. وَٱلْأَمْرُ ٱلَّذِي يَطْلُبُهُ ٱلْمَلِكُ عَسِرٌ، وَلَيْسَ آخَرُ يُبَيِّنُهُ قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ غَيْرَ ٱلْآلِهَةِ ٱلَّذِينَ لَيْسَتْ سُكْنَاهُمْ مَعَ ٱلْبَشَرِ». لِأَجْلِ ذَلِكَ غَضِبَ ٱلْمَلِكُ وَٱغْتَاظَ جِدًّا وَأَمَرَ بِإِبَادَةِ كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ. فَخَرَجَ ٱلْأَمْرُ، وَكَانَ ٱلْحُكَمَاءُ يُقْتَلُونَ. فَطَلَبُوا دَانِيآلَ وَأَصْحَابَهُ لِيَقْتُلُوهُمْ. حِينَئِذٍ أَجَابَ دَانِيآلُ بِحِكْمَةٍ وَعَقْلٍ لِأَرْيُوخَ رَئِيسِ شُرَطِ ٱلْمَلِكِ ٱلَّذِي خَرَجَ لِيَقْتُلَ حُكَمَاءَ بَابِلَ، أَجَابَ وَقَالَ لِأَرْيُوخَ قَائِدِ ٱلْمَلِكِ: «لِمَاذَا ٱشْتَدَّ ٱلْأَمْرُ مِنْ قِبَلِ ٱلْمَلِكِ؟» حِينَئِذٍ أَخْبَرَ أَرْيُوخُ دَانِيآلَ بِٱلْأَمْرِ. فَدَخَلَ دَانِيآلُ وَطَلَبَ مِنَ ٱلْمَلِكِ أَنْ يُعْطِيَهُ وَقْتًا فَيُبَيِّنُ لِلْمَلِكِ ٱلتَّعْبِيرَ. حِينَئِذٍ مَضَى دَانِيآلُ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَعْلَمَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا أَصْحَابَهُ بِٱلْأَمْرِ، لِيَطْلُبُوا ٱلْمَرَاحِمَ مِنْ قِبَلِ إِلَهِ ٱلسَّمَاوَاتِ مِنْ جِهَةِ هَذَا ٱلسِّرِّ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ دَانِيآلُ وَأَصْحَابُهُ مَعَ سَائِرِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. حِينَئِذٍ لِدَانِيآلَ كُشِفَ ٱلسِّرُّ فِي رُؤْيَا ٱللَّيْلِ. فَبَارَكَ دَانِيآلُ إِلَهَ ٱلسَّمَاوَاتِ. أَجَابَ دَانِيآلُ وَقَالَ: «لِيَكُنِ ٱسْمُ ٱللهِ مُبَارَكًا مِنَ ٱلْأَزَلِ وَإِلَى ٱلْأَبَدِ، لِأَنَّ لَهُ ٱلْحِكْمَةَ وَٱلْجَبَرُوتَ. وَهُوَ يُغَيِّرُ ٱلْأَوْقَاتَ وَٱلْأَزْمِنَةَ. يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا. يُعْطِي ٱلْحُكَمَاءَ حِكْمَةً، وَيُعَلِّمُ ٱلْعَارِفِينَ فَهْمًا. هُوَ يَكْشِفُ ٱلْعَمَائِقَ وَٱلْأَسْرَارَ. يَعْلَمُ مَا هُوَ فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَعِنْدَهُ يَسْكُنُ ٱلنُّورُ. إِيَّاكَ يَا إِلَهَ آبَائِي أَحْمَدُ، وَأُسَبِّحُ ٱلَّذِي أَعْطَانِي ٱلْحِكْمَةَ وَٱلْقُوَّةَ وَأَعْلَمَنِي ٱلْآنَ مَا طَلَبْنَاهُ مِنْكَ، لِأَنَّكَ أَعْلَمْتَنَا أَمْرَ ٱلْمَلِكِ». فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ دَخَلَ دَانِيآلُ إِلَى أَرْيُوخَ ٱلَّذِي عَيَّنَهُ ٱلْمَلِكُ لِإِبَادَةِ حُكَمَاءِ بَابِلَ، مَضَى وَقَالَ لَهُ هَكَذَا: «لَا تُبِدْ حُكَمَاءَ بَابِلَ. أَدْخِلْنِي إِلَى قُدَّامِ ٱلْمَلِكِ فَأُبَيِّنَ لِلْمَلِكِ ٱلتَّعْبِيرَ». حِينَئِذٍ دَخَلَ أَرْيُوخُ بِدَانِيآلَ إِلَى قُدَّامِ ٱلْمَلِكِ مُسْرِعًا وَقَالَ لَهُ هَكَذَا: «قَدْ وَجَدْتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَبْيِ يَهُوذَا ٱلَّذِي يُعَرِّفُ ٱلْمَلِكَ بِٱلتَّعْبِيرِ». أَجَابَ ٱلْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ، ٱلَّذِي ٱسْمُهُ بَلْطَشَاصَّرُ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ عَلَى أَنْ تُعَرِّفَنِي بِٱلْحُلْمِ ٱلَّذِي رَأَيْتُ، وَبِتَعْبِيرِهِ؟» أَجَابَ دَانِيآلُ قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ وَقَالَ: «ٱلسِّرُّ ٱلَّذِي طَلَبَهُ ٱلْمَلِكُ لَا تَقْدِرُ ٱلْحُكَمَاءُ وَلَا ٱلسَّحَرَةُ وَلَا ٱلْمَجُوسُ وَلَا ٱلْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ. لَكِنْ يُوجَدُ إِلَهٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ كَاشِفُ ٱلْأَسْرَارِ، وَقَدْ عَرَّفَ ٱلْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي ٱلْأَيَّامِ ٱلْأَخِيرَةِ. حُلْمُكَ وَرُؤْيَا رَأْسِكَ عَلَى فِرَاشِكَ هُوَ هَذَا: أَنْتَ يَا أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ أَفْكَارُكَ عَلَى فِرَاشِكَ صَعِدَتْ إِلَى مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ هَذَا، وَكَاشِفُ ٱلْأَسْرَارِ يُعَرِّفُكَ بِمَا يَكُونُ. أَمَّا أَنَا فَلَمْ يُكْشَفْ لِي هَذَا ٱلسِّرُّ لِحِكْمَةٍ فِيَّ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ ٱلْأَحْيَاءِ، وَلَكِنْ لِكَيْ يُعَرَّفَ ٱلْمَلِكُ بِٱلتَّعْبِيرِ، وَلِكَيْ تَعْلَمَ أَفْكَارَ قَلْبِكَ. «أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ كُنْتَ تَنْظُرُ وَإِذَا بِتِمْثَالٍ عَظِيمٍ. هَذَا ٱلتِّمْثَالُ ٱلْعَظِيمُ ٱلْبَهِيُّ جِدًّا وَقَفَ قُبَالَتَكَ، وَمَنْظَرُهُ هَائِلٌ. رَأْسُ هَذَا ٱلتِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ جَيِّدٍ. صَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ. بَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ. سَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ. قَدَمَاهُ بَعْضُهُمَا مِنْ حَدِيدٍ وَٱلْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ. كُنْتَ تَنْظُرُ إِلَى أَنْ قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ، فَضَرَبَ ٱلتِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ ٱللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا. فَٱنْسَحَقَ حِينَئِذٍ ٱلْحَدِيدُ وَٱلْخَزَفُ وَٱلنُّحَاسُ وَٱلْفِضَّةُ وَٱلذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ ٱلْبَيْدَرِ فِي ٱلصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا ٱلرِّيحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَكَانٌ. أَمَّا ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي ضَرَبَ ٱلتِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا وَمَلَأَ ٱلْأَرْضَ كُلَّهَا. هَذَا هُوَ ٱلْحُلْمُ. فَنُخْبِرُ بِتَعْبِيرِهِ قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ. «أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ مَلِكُ مُلُوكٍ، لِأَنَّ إِلَهَ ٱلسَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَٱقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو ٱلْبَشَرِ وَوُحُوشُ ٱلْبَرِّ وَطُيُورُ ٱلسَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا. فَأَنْتَ هَذَا ٱلرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ. وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ ٱلْأَرْضِ. وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَٱلْحَدِيدِ، لِأَنَّ ٱلْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَالْحَدِيدِ ٱلَّذِي يُكَسِّرُ تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هَؤُلَاءِ. وَبِمَا رَأَيْتَ ٱلْقَدَمَيْنِ وَٱلْأَصَابِعَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ وَٱلْبَعْضُ مِنْ حَدِيدٍ، فَٱلْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، وَيَكُونُ فِيهَا قُوَّةُ ٱلْحَدِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ رَأَيْتَ ٱلْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ ٱلطِّينِ. وَأَصَابِعُ ٱلْقَدَمَيْنِ بَعْضُهَا مِنْ حَدِيدٍ وَٱلْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ، فَبَعْضُ ٱلْمَمْلَكَةِ يَكُونُ قَوِيًّا وَٱلْبَعْضُ قَصِمًا. وَبِمَا رَأَيْتَ ٱلْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ ٱلطِّينِ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِطُونَ بِنَسْلِ ٱلنَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَتَلَاصَقُ هَذَا بِذَاكَ، كَمَا أَنَّ ٱلْحَدِيدَ لَا يَخْتَلِطُ بِٱلْخَزَفِ. وَفِي أَيَّامِ هَؤُلَاءِ ٱلْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلَهُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هَذِهِ ٱلْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى ٱلْأَبَدِ. لِأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَلٍ لَا بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ ٱلْحَدِيدَ وَٱلنُّحَاسَ وَٱلْخَزَفَ وَٱلْفِضَّةَ وَٱلذَّهَبَ. ٱللهُ ٱلْعَظِيمُ قَدْ عَرَّفَ ٱلْمَلِكَ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا. اَلْحُلْمُ حَقٌّ وَتَعْبِيرُهُ يَقِينٌ». حِينَئِذٍ خَرَّ نَبُوخَذْنَصَّرُ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيآلَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ تَقْدِمَةً وَرَوَائِحَ سُرُورٍ. فَأَجَابَ ٱلْمَلِكُ دَانِيآلَ وَقَالَ: «حَقًّا إِنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهُ ٱلْآلِهَةِ وَرَبُّ ٱلْمُلُوكِ وَكَاشِفُ ٱلْأَسْرَارِ، إِذِ ٱسْتَطَعْتَ عَلَى كَشْفِ هَذَا ٱلسِّرِّ». حِينَئِذٍ عَظَّمَ ٱلْمَلِكُ دَانِيآلَ وَأَعْطَاهُ عَطَايَا كَثِيرَةً، وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلَايَةِ بَابِلَ وَجَعَلَهُ رَئِيسَ ٱلشِّحَنِ عَلَى جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ. فَطَلَبَ دَانِيآلُ مِنَ ٱلْمَلِكِ، فَوَلَّى شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ عَلَى أَعْمَالِ وِلَايَةِ بَابِلَ. أَمَّا دَانِيآلُ فَكَانَ فِي بَابِ ٱلْمَلِكِ.

دانيال 1:2-49SAB(الكتاب الشريف)

الْمَلِكُ نَبُوخَذْنَصْرُ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ حُكْمِهِ، حَلَمَ أَحْلَامًا، فَانْزَعَجَ وَرَاحَ عَنْهُ النَّوْمُ. فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِاسْتِدْعَاءِ السَّحَرَةِ وَالْحُوَاةِ وَالَّذِينَ يُمَارِسُونَ الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ وَالْمُنَجِّمِينَ لِيُخْبِرُوهُ بِأَحْلَامِهِ. فَحَضَرُوا وَمَثَلُوا أَمَامَ الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: ”حَلَمْتُ حُلْمًا أَزْعَجَنِي، وَأُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ مَعْنَاهُ.“ فَقَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِلْمَلِكِ بِاللُّغَةِ الْأَرَامِيَّةِ: ”عَاشَ الْمَلِكُ! أَخْبِرْنَا يَا سَيِّدَنَا بِالْحُلْمِ فَنُفَسِّرَهُ لَكَ.“ قَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: ”هَذَا هُوَ قَرَارِيَ النِّهَائِيُّ: أَخْبِرُونِي أَنْتُمْ بِالْحُلْمِ وَفَسِّرُوهُ لِي، وَإِلَّا أُمَزِّقُكُمْ إِلَى قِطَعٍ وَأَجْعَلُ دِيَارَكُمْ مَزَابِلَ. فَإِنْ أَخْبَرْتُمُونِي بِالْحُلْمِ وَفَسَّرْتُمُوهُ، أُعْطِيكُمْ هَدَايَا وَمُكَافَآتٍ وَأُكْرِمُكُمْ جِدًّا. إِذَنْ أَخْبِرُونِي بِالْحُلْمِ وَفَسِّرُوهُ لِي.“ فَقَالُوا لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً: ”أَخْبِرْنَا يَا سَيِّدَنَا الْمَلِكَ بِالْحُلْمِ فَنُفَسِّرَهُ لَكَ.“ أَجَابَهُمُ الْمَلِكُ: ”أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّكُمْ تُحَاوِلُونَ أَنْ تَكْسِبُوا الْوَقْتَ، لِأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ أَنَّ قَرَارِي نِهَائِيٌّ. إِنْ كُنْتُمْ لَا تُخْبِرُونِي بِالْحُلْمِ، فَعِقَابُكُمْ وَاحِدٌ. أَنْتُمُ اتَّفَقْتُمْ أَنْ تَخْتَرِعُوا حِكَاياتٍ غَيْرَ صَحِيحَةٍ، وَتَأْمَلُوا أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَوْقِفُ بِمُرُورِ الْوَقْتِ. إِذَنْ أَخْبِرُونِي بِالْحُلْمِ، فَأَعْلَمَ أَنَّكُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تُفَسِّرُوهُ لِي.“ فَقَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِلْمَلِكِ: ”لَا يُوجَدُ إِنْسَانٌ عَلَى الْأَرْضِ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَطْلُبُهُ الْمَلِكُ! وَلَمْ يَحْدُثْ أَبَدًا أَنَّ مَلِكًا عَظِيمًا وَقَوِيًّا طَلَبَ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ مِنَ السَّحَرَةِ أَوِ الْحُوَاةِ أَوِ الْمُنَجِّمِينَ. فَمَا تَطْلُبُهُ يَا جَلَالَةَ الْمَلِكِ صَعْبٌ جِدًّا، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَكْشِفَهُ لَكَ إِلَّا الْآلِهَةِ، وَهُمْ لَا يَسْكُنُونَ مَعَ الْبَشَرِ.“ فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَاغْتَاظَ جِدًّا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَأَمَرَ بِإِبَادَةِ كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ. فَصَدَرَ قَرَارٌ بِقَتْلِهِمْ. وَجَاءَ مَنْ يَقْبِضُ عَلَى دَانِيَالَ وَأَصْحَابِهِ لِيَقْتُلُوهُمْ. فَلَمَّا ذَهَبَ أَرْيُوخُ قَائِدُ حَرَسِ الْمَلِكِ لِيَقْتُلَ حُكَمَاءَ بَابِلَ، كَلَّمَهُ دَانِيَالُ بِحِكْمَةٍ وَأَدَبٍ وَقَالَ لَهُ: ”لِمَاذَا أَصْدَرَ الْمَلِكُ هَذَا الْقَرَارَ الْعَنِيفَ؟“ فَشَرَحَ أَرْيُوخُ لِدَانِيَالَ مَا حَدَثَ. وَهُنَا، رَاحَ دَانِيَالُ إِلَى الْمَلِكِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُمْهِلَهُ بَعْضَ الْوَقْتِ، لِكَيْ يُفَسِّرَ لَهُ الْحُلْمَ. ثُمَّ رَجَعَ دَانِيَالُ إِلَى دَارِهِ، وَأَبْلَغَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا أَصْحَابَهُ بِمَا حَدَثَ. وَأَوْصَاهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ أَنْ يَرْحَمَهُمْ وَيَكْشِفَ لَهُمْ هَذَا السِّرَّ، لِكَيْ لَا يَهْلِكُوا مَعَ بَاقِي حُكَمَاءِ بَابِلَ. وَفِي اللَّيْلِ، كُشِفَ السِّرُّ لِدَانِيَالَ فِي رُؤْيَا، فَبَارَكَ رَبَّ السَّمَاءِ وَقَالَ: ”تَبَارَكَ اسْمُ اللهِ مِنَ الْأَزَلِ وَإِلَى الْأَبَدِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ الْحِكْمَةَ وَالْقُدْرَةَ. وَهُوَ يُغَيِّرُ الْأَوْقَاتَ وَالْأَزْمِنَةَ. يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا. يُعْطِي الْحُكَمَاءَ حِكْمَةً وَالْفُهَمَاءَ مَعْرِفَةً. هُوَ يَكْشِفُ الْأَسْرَارَ الْعَمِيقَةَ وَالدَّفِينَةَ، وَيَعْرِفُ مَا خَفِيَ فِي الظَّلَامِ. عِنْدَهُ النُّورُ. أَحْمَدُكَ وَأُسَبِّحُكَ يَا رَبَّ آبَائِي، أَنْتَ أَعْطَيْتَنِي حِكْمَةً وَقُوَّةً. أَنْتَ عَرَّفْتَنِي مَا طَلَبْنَاهُ مِنْكَ. أَنْتَ عَرَّفْتَنَا حُلْمَ الْمَلِكِ!“ وَرَاحَ دَانِيَالُ إِلَى أَرْيُوخَ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمَلِكُ لِيَقْتُلَ حُكَمَاءَ بَابِلَ، وَقَالَ لَهُ: ”لَا تَقْتُلْ حُكَمَاءَ بَابِلَ، خُذْنِي إِلَى الْمَلِكِ، وَأَنَا أُفَسِّرُ الْحُلْمَ.“ فَأَخَذَ أَرْيُوخُ دَانِيَالَ إِلَى الْمَلِكِ بِسُرْعَةٍ وَقَالَ: ”وَجَدْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَسْرَى الَّذِينَ مِنْ يَهُوذَا يَقْدِرُ أَنْ يُخْبِرَ الْمَلِكَ بِتَفْسِيرِ الْحُلْمِ.“ فَسَأَلَ الْمَلِكُ دَانِيَالَ، الَّذِي اسْمُهُ بَلْطَشَصْرُ: ”هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِالْحُلْمِ الَّذِي رَأَيْتُهُ وَتُفَسِّرَهُ؟“ أَجَابَهُ دَانِيَالُ: ”السِّرُّ الَّذِي طَلَبْتَهُ يَا جَلَالَةَ الْمَلِكِ، لَا يَقْدِرُ الْحُكَمَاءُ وَلَا الْحُوَاةُ وَلَا السَّحَرَةُ وَلَا مَنْ يُمَارِسُونَ الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ أَنْ يَكْشِفُوهُ لَكَ. لَكِنْ يُوجَدُ إِلَهٌ فِي السَّمَاءِ يَكْشِفُ الْأَسْرَارَ، وَقَدْ أَظْهَرَ لِلْمَلِكِ نَبُوخَذْنَصْرَ مَا سَيَحْدُثُ فِي الْأَيَّامِ الْمُقْبِلَةِ. فَهَذَا هُوَ الْحُلْمُ الَّذِي رَأَيْتَهُ وَأَنْتَ رَاقِدٌ فِي فِرَاشِكَ، هَذِهِ هِيَ الرُّؤْيَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، حِينَ كُنْتَ رَاقِدًا فِي فِرَاشِكَ، اِتَّجَهَ فِكْرُكَ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَاشِفُ الْأَسْرَارِ أَظْهَرَ لَكَ مَا سَيَحْدُثُ. وَقَدْ كُشِفَ هَذَا السِّرُّ لِي، لَا لِأَنِّي أَحْكَمُ مِنْ بَاقِي الْبَشَرِ، بَلْ لِكَيْ تَعْرِفَ التَّفْسِيرَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَتَفْهَمَ مَا دَارَ بِفِكْرِكَ. ”أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنْتَ نَظَرْتَ فَرَأَيْتَ أَمَامَكَ تِمْثَالًا كَبِيرًا وَضَخْمًا وَرَائِعًا، وَمَنْظَرُهُ رَهِيبٌ. رَأْسُ هَذَا التِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، وَصَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَبَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدَمَاهُ خَلِيطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ. وَبَيْنَمَا أَنْتَ تَنْظُرُ، اِنْقَطَعَ حَجَرٌ مِنَ الْجَبَلِ مِنْ غَيْرِ مَا تَلْمِسُهُ يَدُ إِنْسَانٍ، وَضَرَبَ التِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ اللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا. فَتَحَطَّمَ الْحَدِيدُ وَالْخَزَفُ وَالنُّحَاسُ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَتِبْنِ الْبَيْدَرِ فِي الصَّيْفِ، وَذَرَّتْهَا الرِّيحُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ. أَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي ضَرَبَ التِّمْثَالَ، فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا وَمَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّهَا. هَذَا هُوَ الْحُلْمُ، وَالْآنَ نُفَسِّرُهُ لِلْمَلِكِ. ”أَنْتَ يَا جَلَالَةَ الْمَلِكِ أَعْظَمُ الْمُلُوكِ، لِأَنَّ رَبَّ السَّمَاءِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَقُوَّةً وَقُدْرَةً وَجَلَالًا. وَأَعْطَاكَ الْبَشَرَ حَيْثُ كَانُوا، وَالْوُحُوشَ وَطُيُورَ السَّمَاءِ، وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا كُلِّهَا. فَأَنْتَ هَذَا الرَّأْسُ الَّذِي مِنْ ذَهَبٍ. وَتَقُومُ بَعْدَكَ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَقَلُّ شَأْنًا مِنْ مَمْلَكَتِكَ. وَبَعْدَهَا مَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ تَسُودُ عَلَى كُلِّ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهَا مِنْ نُحَاسٍ. وَأَخِيرًا مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ قَوِيَّةٌ كَالْحَدِيدِ، لِأَنَّ الْحَدِيدَ يُحَطِّمُ وَيُكَسِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. فَكَالْحَدِيدِ الَّذِي يُحَطِّمُ، كَذَلِكَ هَذِهِ الْمَمْلَكَةُ تَسْحَقُ وَتُحَطِّمُ كُلَّ تِلْكَ الْمَمَالِكِ. وَأَنْتَ رَأَيْتَ أَنَّ الْقَدَمَيْنِ وَالْأَصَابِعَ هِيَ خَلِيطٌ مِنْ خَزَفٍ وَحَدِيدٍ، فَهَذِهِ الْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً. وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ، كَمَا رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مَخْلُوطًا بِالْخَزَفِ. وَكَمَا أَنَّ أَصَابِعَ الْقَدَمَيْنِ بَعْضُهَا مِنْ حَدِيدٍ وَبَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ، كَذَلِكَ هَذِهِ الْمَمْلَكَةُ يَكُونُ بَعْضُهَا قَوِيًّا وَبَعْضُهَا سَرِيعُ الْكَسْرِ. وَكَمَا رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مَخْلُوطًا بِالْخَزَفِ، فَإِنَّ شُعُوبَ هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ تَكُونُ خَلِيطًا لَكِنَّهَا لَا تَتَّحِدُ مَعًا، كَمَا لَا يَتَّحِدُ الْحَدِيدُ مَعَ الْخَزَفِ. ”وَفِي أَيَّامِ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ يُقِيمُ رَبُّ السَّمَاءِ مَمْلَكَةً لَا تَسْقُطُ أَبَدًا وَلَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا شَعْبٌ آخَرُ، بَلْ تُحَطِّمُ وَتُبِيدُ كُلَّ تِلْكَ الْمَمَالِكِ، أَمَّا هِيَ فَتَبْقَى إِلَى الْأَبَدِ. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى رُؤْيَا الْحَجَرِ الَّذِي انْقَطَعَ مِنَ الْجَبَلِ مِنْ غَيْرِ مَا تَلْمِسُهُ يَدُ إِنْسَانٍ، فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ. اللهُ الْعَظِيمُ أَظْهَرَ لِلْمَلِكِ مَا سَيَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الْحُلْمُ صَحِيحٌ وَتَفْسِيرُهُ صَادِقٌ.“ عِنْدَ ذَلِكَ رَمَى نَبُوخَذْنَصْرُ نَفْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ لِدَانِيَالَ، وَأَمَرَ أَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ قُرْبَانًا وَبَخُورًا. وَقَالَ الْمَلِكُ لِدَانِيَالَ: ”حَقًّا إِنَّ إِلَهَكُمْ هُوَ إِلَهُ الْآلِهَةِ، وَرَبُّ الْمُلُوكِ، وَكَاشِفُ الْأَسْرَارِ، لِأَنَّكَ قَدِرْتَ أَنْ تَكْشِفَ هَذَا السِّرَّ.“ ثُمَّ عَظَّمَ الْمَلِكُ دَانِيَالَ، وَأَعْطَاهُ هَدَايَا كَثِيرَةً، وَعَيَّنَهُ حَاكِمًا عَلَى وِلَايَةِ بَابِلَ كُلِّهَا، وَجَعَلَهُ رَئِيسَ كُلِّ حُكَمَاءِ بَابِلَ. وَطَلَبَ دَانِيَالُ مِنَ الْمَلِكِ، فَوَلَّى شَدْرَكَ وَمِيشَكَ وَعَبْدَنَغُو عَلَى شُؤُونِ وِلَايَةِ بَابِلَ. أَمَّا دَانِيَالُ فَأَقَامَ فِي قَصْرِ الْمَلِكِ.