Parallel
5
الفصل الخامس
عيسى (سلامُهُ علينا) يدعو أوّل الحواريّين
1وعِندَما كانَ سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) واقِفًا على شاطئِ بُحَيرةِ طَبَريّا،#5‏.1 أي بحيرة الجليل في شمال فلسطين. تَحَلَّقَ حَولَهُ جَماعةٌ مِن النّاسِ لِسَماعِ كَلامِ الرَّحمَنِ. 2ولمّا كانَت الجُموعُ حاشِدةً، بَحَثَ عيسى (سلامُهُ علينا) لنَفسِهِ عن مَكانٍ مُناسِبٍ يَستَطيعُ مِنهُ مُخاطَبةَ الجَميعِ، فوَجَدَ قارِبَيْنِ قد نَزَلَ مِنهُما الصَّيّادونَ لِغَسلِ شِباكِهِم، 3وكانَ أحَدُهُما لبُطرُسَ، فصَعِدَ إليهِ سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) وطَلَبَ مِن صاحِبِهِ أن يَبتَعِدَ قَليلاً عن البَرِّ، ليَكونَ باستَطاعتِهِ الجُلوسُ ومُخاطَبةُ المُحيطينَ بِهِ بتَعاليمِ اللهِ.
4وعِندَما أنهى حَديثَهُ طَلَبَ مِن بُطرُسَ أن يَمضي بالقارِبِ عن الشَّاطئِ قائلاً: "امْضِ بالقارِبِ إلى مَكانٍ أعمَقَ في البُحَيرةِ وهُناكَ أَلقِ الشِّباكَ للصَّيدِ". 5فأجابَهُ بُطرُسُ بقَولِهِ: "يا سَيِّدي، لقد أنهَكنا الانتِظارُ طَوالَ اللّيلِ على أمَلِ أن نَجمَعَ في شِباكِنا شَيئًا مِن السَّمَكِ دونَ جَدوى. ولكنّنا الآنَ، نُزولاً عِندَ رَغبَتِكَ وأمرِكَ، سنُلقي شِباكَنا مِن جَديد". 6فرَمَوا بشِباكِهِم، وحَدَثَ ما لم يَتَوَقّعوا، فقد تَجَمَّعَ السَّمَكُ في شِباكِهِم حتّى ضاقَت وبَدأت تَتَمَزَّقُ، 7فسألوا شُرَكاءَهُم في القارِبِ الآخر مُساعدَتَهُم، فاستَجابوا لهُم، فامتَلأ القارِبان بالأسماكِ حتّى أوشَكا على الغَرَقِ لِثقلِ ما كانَ عليهِما مِن صَيدٍ. 8عِندَ ذلِكَ تَقَدَّمَ بُطرُسُ (الّذي لَقّبَهُ عيسى -سلامُهُ علينا- بالصَّخرِ#5‏.8 هذا اللقب هو باللغة اليونانية "بطرس" وباللغة الآرامية "صفا" ومعناه "صخر". فيما بعد) مِن سَيِّدِنا عيسى (سلامُهُ علينا) وخَرَّ عِندَ قَدَمَيهِ قائلاً: "يا سَيِّدي، إنّني لا أستَحِقُّ أن أقِفَ بَينَ يَدَيكَ فأنا رَجُلٌ ضالٌّ بَعيدٌ عن دِيني!" 9‏-10لقد أذهَلَت تِلكَ المُعجِزةُ بُطرُسَ وبَقيّةَ الصَّيّادينَ كَما أذهَلَت شَريكَيهِ يَعقوبَ ويوحَنّا ابنَيْ زَبَدي. فخاطَبَ عِندئذٍ سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) بُطرُسَ قائلاً: "هَوِّن عليكَ، ستَكسِبُ النّاسَ مِن الآن فصاعِدًا لأجلي وستَجمَعُهُم حَولَكَ كَما تَجمَعُ الأسماكَ في تِلكَ الشِّباكِ". 11فقامَ بُطرُسُ، ويَعقوبُ ويوحنّا ابنا زَبَدي بِسَحبِ القارِبَينِ إلى الشّاطئِ، ثُمّ أَلقَوا بكُلِّ شَيء وراءَهُم ولَحِقوا بسَيِّدِنا عيسى (سلامُهُ علينا) وأصبَحوا مِن أتباعِهِ.
شفاء عيسى (سلامُهُ علينا) للأبرص
12وبَينَما كانَ سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) في إحدى القُرى، قَدِمَ إليهِ رَجُلٌ قد غَطّى جِسمَهُ البَرَصُ. فلمّا رأى الرَّجُلُ عيسى (سلامُهُ علينا) خَرَّ أمامَهُ مُتَوَسِّلاً: "يا سَيِّدي، إن شِئتَ مَنَنتَ عليّ بالشِّفاءِ والطَّهارةِ".#5‏.12 أمر الله في التوراة باعتزال الأبرص بسبب نجاسته والحكمة في ذلك عدم انتقال العدوى إشفاقا على الناس. 13فما كانَ مِنهُ (سلامُهُ علينا) إلاّ أن أقبَلَ عليهِ ولَمَسَهُ وهو يَقولُ: "هذِهِ رَغبَتي، فَاطهَرْ" وهكذا زالَ عَن الرَّجُلِ البَرَصُ في الحالِ. 14وأوصى سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) الرَّجُلَ ألاّ يُخبِرَ أحَدًا بما جَرى لهُ، وقالَ لهُ: "اِذهَب إلى أحَدِ رِجالِ الدِّينِ الأحبارِ وأرِهِ نَفسَكَ، وقَدِّمْ ذَبيحةً لِقاءَ شِفائِكَ مِن هذا المَرضِ تَطبيقًا لِما جاءَ في التَّوراةِ المُنَزَّلةِ على النَّبيِّ موسى، ودَليلاً لكَ عِندَهُم على شِفائِكَ".#5‏.14 تبعًا لما جاء في التوراة، كان على الناس المصابين بالبرص الخضوع لفحص يقوم به رجال الدين للتأكّد من شفائهم وليكون بإمكانهم العودة للانضمام إلى المجتمع. وربّما قصد السيد المسيح أن يتبيّن رجالُ الدين من خلال ذلك أنّه المبعوث من الله. 15ولكن سُرعانَ ما انتَشَرَ خَبَرُ شِفائِهِ، فأخَذَ النّاسُ يُقبِلونَ عليهِ (سلامُهُ علينا) مُتَلَهِّفينَ لسَماعِ تَعاليمِهِ، آمِلينَ أن يُشفَوا مِن أمراضِهِم. 16أمّا عيسى (سلامُهُ علينا) فكانَ يُؤثِرُ الاختِلاءَ لرَبِّهِ في البَراري للصَّلاةِ والدُّعاءِ.
عيسى (سلامُهُ علينا) والقعيد
17ومَضى سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) يُبَلِّغُ تَعاليمَهُ في بَيتٍ مِن البُيوتِ، بحُضورِ جَماعةٍ مِن المُتَشَدِّدينَ#5‏.17 كان المتشدّدون جماعة من اليهود، ومعنى اسمهم بالعبرية "المنفصلون". وقد كانوا يريدون تجديد الدين اليهودي وحمايته من خلال جعل جميع أفراد الشعب اليهودي وعلى نحو صارم يتّبعون شرائع السبت، والصيام، والتطهّر من الطعام النجس. وكانوا يعلّمون أحكام التوراة كما يعلّمون العادات والتقاليد التي لم يرد ذكرها في التوراة. ومِن عُلَماءِ التَّوراةِ الّذينَ قَدِموا مِن كُلِّ قُرى الجَليلِ ومِن مِنطقةِ يَهوذا والقُدسِ الشَّريفِ، يَنظُرونَ في هذا الّذي لَدَيهِ قوةٌ مِن اللهِ لشِفاءِ المَرضى. 18في تِلكَ الأثناءِ قَدِمَ إليهِ نَفَرٌ يَحمِلونَ فِراشًا عليهِ مَريضُهُم القَعيدُ، فحاوَلوا الاقتِرابَ مِن عيسى (سلامُهُ علينا) والدُّخولَ إلى البَيتِ الّذي هو فيهِ، 19فتَعَذَّرَ عليهِم ذلِكَ بسَبَبِ الحُشودِ الغَفيرةِ المُجتَمِعةِ هُناكَ، فما كانَ مِنهُم إلاّ أن صَعِدوا إلى سَطحِ البَيتِ فأحدَثوا فيهِ ثُغرةً ودَلّوا مِن خِلالِها مَريضَهُم على فِراشِهِ ليُصبِحَ أمامَ سَيِّدِنا عيسى (سلامُهُ علينا). 20فعِندَما رأى (سلامُهُ علينا) قوّةَ إيمانِهِم بِهِ، خاطَبَ القَعيدَ قائلاً: "أيُّها الرَّجُلُ، مَغفورةٌ لكَ ذُنوبُكَ وخَطاياكَ!" 21وأثارَ ذلِكَ استِنكارَ عُلَماءِ التَّوراةِ والمُتَشَدِّدينَ الحاضِرينَ، فأخَذوا يُسِرّونَ في أنفُسِهِم قائلينَ: "ها هوذا يَنطِقُ كُفرًا، فمَن غَيرَ اللهِ يَغفِرُ الذُّنوبَ والخَطايا؟" 22وعَلِمَ سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) سَرائرَهُم، فقالَ لهُم: "تُسِرّونَ في أنفُسِكُم ما لا تُعلِنونَ؟ 23‏-24أنتُم تَظُنّونَ أنّهُ مِن المُستَحيلِ عليَّ مَغِفرةُ الذُّنوبِ، كما تَظُنّونَ أنّ شِفاءَ المُقعَدِ مُستَحيلٌ. ها أني سأُقَدِّمُ لكُم بُرهانًا يَجعَلُكُم تُوقِنونَ بأنّ سَيِّدَ البَشَر#5‏.23‏-24 كان سيّدنا عيسى يفضّل إطلاق لقب "سيّد البشر" على نفسه، ومعناه الحرفي باليونانية "ابن الإنسان". وفي هذا إشارة إلى النبوءة التي أشار إليها النبي دانيال في قوله: "ونظرتُ في الرؤيا في اللّيل فرأيتُ شخصًا يُشبه ابن إنسان قادمًا في ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وأقبل إلى الله صاحب الأزل فأعطاه سلطة وجلالاً وقوّة ملكية، ليطيعه كلّ الناس من مختلف الشعوب والأمم واللغات. سلطانه سلطان أبديّ لا يزول، ومملكته لا تَفنَى" وهذه النبوءة عن "ابن الإنسان" إشارة إلى المنقذ الذي سوف يختاره الله ليحكم الناس في جميع أنحاء الأرض. هو الّذي وَكَّلَهُ اللهُ على الأرضِ ليَغفِرَ الذُّنوبَ". فما كانَ مِنهُ إلاّ أن تَوَجَّهَ إلى القَعيدِ بقَولِهِ: "أيُّها الرَّجُلُ، قُم واحمِل فِراشَكَ وامضِ إلى بَيتِكَ ماشيًا على قَدَمَيكَ". 25فقامَ القَعيدُ بسُرعةٍ مِن بَينَ الجُموعِ، كَما أمَرَهُ (سلامُهُ علينا)، حامِلاً فِراشَهُ ماضيًا على قَدَمَيهِ إلى بَيتِهِ ولِسانُهُ يَلهَجُ بالتَّسبيحِ للهِ وبحَمدِهِ، 26مِمّا أثارَ ذُهولَ الحاضِرينَ الّذينَ امتَلأت نُفوسُهُم بالخُشوعِ للهِ فقالوا مُتَمتِمينَ: "إنّ ما رأيناهُ بأعيُنِنا اليومَ عَجيبٌ!!"
لاوي ودعوة عيسى (سلامُهُ علينا) له
27ثُمّ مَضى سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) في طَريقِهِ، فوَقَعَت عَينُهُ في مَكانٍ ما، على واحدٍ مِن جُباةِ الضَّرائبِ لِحِسابِ الرُّومانِ، وهو لاوي (أو مَتّى)، جالِسًا إلى مَكتبِهِ فبادَرَهُ (سلامُهُ علينا) قائلاً: "تَعالَ، وكُنْ مِن أتباعي!" 28فنَهَضَ وتَبِعَ عيسى (سلامُهُ علينا) تارِكًا كُلَّ شَيءٍ وَراءَهُ لِيُصبِحَ مِن أتباعِهِ (سلامُهُ علينا). 29وأقامَ لاوي بَعدَ ذلِكَ وَليمةً في بَيتِهِ تَكريمًا لسَيِّدِنا عيسى (سلامُهُ علينا)، ودَعا إليها كَثيرًا مِن النّاسِ مِن بَينِهِم مَن كانوا يَعمَلونَ مِثلَهُ في جِبايةِ الضَّرائبِ، 30وعَلِمَ بذلِكَ المُتَشَدِّدونَ وعُلَماءُ التَّوراةِ الّذينَ كانوا يُصِرّونَ على عَقائدِهِم، فأثارَ انتِقاداتِهِم وتَوَجَّهوا إلى أتباعِهِ (سلامُهُ علينا) قائلينَ: "ما لكُم تأكُلونَ وتَشرَبونَ مَعَ هؤلاءِ الضَّالّينَ وجامِعي الضَّرائبِ للرّومانِ؟"#5‏.30 كان الشائع بين المتشدّدين القول بنجاسة جباة الضرائب فنبذوهم وذلك بسبب تعاملهم مع الأجانب من خلال أعمالهم ولكونهم نقضوا شريعة يوم السبت وعملوا فيه. 31وسَمِعَ سَيِّدُنا عيسى (سلامُهُ علينا) كَلامَهُم فأجابَهُم قائلاً: "ألا تَعلَمونَ أنّ المَرضى هم الّذينَ يَحتاجونَ حقّا إلى الطَّبيبِ لا الأصِحّاء؟ 32وهل أنا إلاّ طَبيبٌ؟ وإنّي ما بُعِثتُ لهِدايةِ مَن ظَنَّ في نَفسِهِ صَلاحًا، بل للأخذِ بِيَدِ الضّالّينَ".
الصيام
33فقالَ لهُ آخَرونَ: "وما لنا نَرى أتباعَكَ لا يَصومونَ النَّوافِلَ وقد كانَ أتباعُ يَحيى والمُتَشَدِّدونَ، وما يَزالونَ، يَصومونَ ويُصَلّونَ تِلكَ النَّوافِلَ". 34فأجابَهُم سَيِّدُنا عيسى بقَولِهِ: "لا يَليقُ بضُيوفِ عُرسٍ أن يَمتَنِعوا عن الطَّعامِ ما دامَ الحَفلُ قائمًا والعَريسُ مَعَهُم، 35لذا أقولُ لكُم ما دُمتُ مَوجودًا بَينَ أتباعي فلَهُم أن يأكُلوا ويَشرَبوا ما شاؤوا، ولكن سيَأتي الوَقتُ الّذي فيهِ يُؤخذُ صاحِبُ العُرسِ مِن بَينِهِم عُنوَةً،#5‏.35 كان السيّد المسيح يشير إلى نفسه بشكل مجازي بلقب "العريس". فوَقتئذٍ يَصومونَ". 36وتابَعَ رَدَّهُ على انتِقاداتِهِم قائلاً: "أنتُم تُريدونَ لأتباعي أن يَتَمَسّكوا بعاداتِكُم القَديمةِ، فمَثَلُكُم كمَثَلِ مَن يَقتَطِعُ مِن ثَوبٍ جَديدٍ رُقَعًا ليُصلِحَ بها ثَوبًا باليًا، فيَفسِدُ الجَـديدُ ويُرمى بِهِ،‏ ولا يَصلُحُ العَتيقُ لأنّ الرُّقعَةَ لا تُنَاسِـبُهُ!#5‏.36 يعني سيّدنا المسيح بذلك الردَّ على المتشدّدين من اليهود الذين كانوا يريدون إلزام أتباعه بعاداتهم التي جاءت نتيجة تأويلهم الخاطئ لبعض ما جاء في التوراة، وقد شبّه دعوته بالثوب الجديد، بينما شبّه عاداتهم بالثوب القديم. 37ولا أحَدَ يَملأ قِربةً قَديمةً ذاتَ جِلدٍ جافٍ بعَصيرِ عِنَبٍ طازَجٍ، وإلاّ تَمَزَّقَت القِربةُ مِن ضَغطِ التَّخميرِ وسالَ العَصيرُ على الأرضِ، 38لذا فإنّ كُلَّ جَديدٍ مِن العَصيرِ بحاجةٍ إلى الجَديدِ مِن القِرَبِ لِيَبقى في داخِلِها على الدَّوامِ، 39وكُلُّ مَن يَحبِسُ نَفسَهُ ضِمنَ أسوارِ عاداتٍ قَديمةٍ، يَعسُرُ عليهِ أن يَتَقَبَّلَ أيَّ جَديدٍ لأنّهُ سيَظُنُّ أنّ القَديمَ الّذي يَتَمَسَّكَ بِهِ هو الأجدى والأفضَلُ".