هَيمَنةُ اللهِ المُدهِشَةعينة

هَيمَنةُ اللهِ المُدهِشَة

يوم 1 من إجمالي 7

عندما يتوارى النور

في هذا اليوم الأول، نقف على حافة وادي الظلال، حيث يتلاشى النور، وتتآلف الوحدة. سنتأمل في قصة أيوب، لنرى كيف يُبتلى الصالحون، وكيف يشتدّ أحيانًا الصمت الإلهي كضباب يخنق الأمل.

ما قابلت قط شخصًا لا يرثي لحال أيُّوب. فها هُوَ رَجُلٌ تقيّ في القلب وبارّ في الحياة تداعى عالمُهُ كُلُّهُ فَوقَ رأسه، لِغَيْرِ سَبَبٍ ظاهر إلا ما قد يَنظُرُ إِليهِ بَعْضٌ على أنَّهُ دُعابةٌ كَونِيَّةٌ مِن نَوعِ ما، نستغرب فيها وَحشِيَّةُ الشَّيطان وسَماحُ الله بحدوثها.

أَمَّا الجُزْءُ الأَوَّلُ ففي وسعنا أن نتفهمه؛ وأما الثاني فهو الذي يُحيّرُنا. فإنَّ الله لم يكُن غائبًا أو لا مباليًا، بل كان صامتًا، بالنِّسبة إلى أيُّوب على الأقل. إِنَّهُ ذلك الشُّعور الغامض بصمتِ الله، وقد تَمثَّلَ في حياةِ أَيُّوبَ باعتباره غياب الله، ما يجعلنا جميعًا نَهُزُّ رؤوسنا مُتسائلين عن السبب. لا بُدَّ أَنَّ ذلك يُشبِهُ السّباحة في بحيرة شاسعة والابتعاد عن الشاطئ ما بين ثلاث مئة متر وأربع مئة متر، إذ يَهْبِطُ فجأةً ضَبَابٌ غَرِيبٌ ويُحيط بك. فإنَّكَ تَعلَقُ في دائرة نور خافت، ولا تستطيع أن تُبصر ما يَقَعُ خارج مُتناوَل يَدِك. ثُمَّ تبدأ تَسبَحُ نحو الشاطئ؛ أو على الأقل تتصوَّرُ أنَّ ذلك هو الشاطئ، إلَّا أَنَّكَ لستَ على يقين. وبعد ذلك تُصاب بالذعر ، فتتحوَّلُ وتسبح في اتجاه آخر. آنذاك تكون قد فَقَدتَ تمامًا توجّهك. فلا تَعرِفُ أينَ الشاطئ، ويزدادُ خَفَقانُ قلبك، ثُمَّ تُقرِّرُ أنْ تَعوم كي تُحافِظَ على قوتك. وأخيرًا يتلاشى حتَّى الضَّوء الخفي، فتعلم أنَّ الشَّمس تغيب. ثمَّ يَهبِطُ الظَّلام، فتصغي بكُلِّ جوارحك، عسى أن تسمع صوتًا ما من على الشاطئ حتّى لو كان مكتومًا وواهيًا، فهُوَ على الأقل يُزوِّدُكَ بِحِس الاتجاه... بشَيْءٍ ما تسبَحُ نحوه. ولا شك أنَّ هذا الشُّعور بالضَّياعِ قد غَمَرَ أَيُّوبَ إِذْ قَعَدَ وَسْطَ رُكَامِ مَا كَانَ من قبل منظرًا جميلاً وعامِرًا. لقد تَبدَّدَ رِزْقُهُ وانسحق. وها هي قُبور أولاده النَّدِيَّةُ مُنبَسِطةٌ أمامَهُ على سفح أجرد تذروه الرياح. وقد خَسرَ كل شيء، حَتَّى صِحَّتَه ، فجَلَسَ في رَمادِ حياته مسحوقًا، وحيدًا، فاقد الاتجاه. ولم يستطع أن يسمعَ حتَّى صوت الله.

وإذ لم يَعْلَمْ شَيئًا عَنِ الموقع، ناهيك بالسبب، أخذ يُعبِّرُ عن بَلواهُ بكلماتٍ يَسهُلُ أن ينتقدها أُولئِكَ الرَّاتِعونَ في مكان راحة وصحة. بعد ذلك فتح أيُّوبُ فَاهُ وسَبَّ يَومَ مَولِدِه. «وَأَخَذَ أَيُّوبُ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ: «لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُل. لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟ عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَطْنِ، لِمَ لَمْ أُسْلِمِ الرُّوحَ؟» هذه هي ما أدعُوها كَلِمات من البحيرة، كلمات من الضباب. هذه كلماتُ رَجُلٍ لا يَعرِفُ السَّبَب! إِنَّهُ يَشعُرْ بأَنَّهُ مَخدُولٌ تمامًا. وهو أسوأ حالاً مِنَ المَيْت، لأنَّهُ حي تمامًا في خِضَم شقائه. لا تَنتَقِدْ أَيُّوب قبل أن تَصِلَ إلى حيثُ كان. فذلك هو أسوأ نوع من الوجود. يكفي سُوءًا أنْ يَتبدَّدَ كُلُّ ما لديك، وأن تُغشِّيَ جِسمَكَ القُروحُ من هامَةِ رأسِكَ حَتَّى باطِنِ قَدَميك، أمَّا أنْ لا تَسْمَعَ أَيَّ صَوت من الله، فآهِ ثُمَّ آه… لكنّ أيّوب بقي منتظرًا الله ليتحرَّك ويدخل بنوره في المشهد، وبانتظاره تعلّم حقائق روحيَّة من شأنها أن تغيّر حياته.

كان أَيُّوبَ في أعماق الضباب؛ فهل كنتَ هناك؟ هل سَبَحتَ في مياهٍ مُظْلِمَةٍ بِمُفْرَدِك؟ إنَّ ألمَ أَيُّوبَ هو ألمنا؛ وفَقدُه هو فَقْدُنا. في هذا اليوم، نسأل أنفسنا: هل يثبت إيماننا في وادي الظلال، أم ندع العتمة تبتلعه؟ غدًا، سنصعد إلى قمة الزمن، لنرى الله بعين الأبدية.

صلاة

يا رب، في لحظات الظلمة والضباب، ساعدنا أن نثق بأنك حاضر حتى وإن لم نسمع صوتك. أعطنا القوة لنستمر في السباحة نحو نورك، حتى وإن بدا بعيدًا. علّمنا أن نصغي إليك بقلوب مفتوحة، واكشف لنا عن هويتك وسيادتك في كل ظرف. آمين.

عن هذه الخطة

هَيمَنةُ اللهِ المُدهِشَة

تهدف سلسلة التأمّلات هذه إلى التفكير في موضوع سيادة الله المدهشة، وهي مستوحاة من سلسلة "شخصيّات عظيمة من الكتاب المقدس" للكاتب تشارلز سويندول. سنتعمّق في الحديث عن تجاربنا الإنسانية في مواجهة الصمت الإلهي، وأوقات الضباب الروحي. لننطلق في الرحلة لإيجاد الثقة، والرجاء، والقوة في حضرة الله، حتّى في اللحظات التي يبدو فيها غائبًا.

More

نود أن نشكر Dar Manhal al Hayat على توفير هذه الخطة. لمزيد من المعلومات ، يرجى زيارة: darmanhal.org